الجمعة - 15 مايو 2026
منذ 11 شهر
الجمعة - 15 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

هل كنّا لنفهم معنى الحرية؟ هل كنّا لنبصر دروب الحق وسط ظلمة الانحراف؟ هل كنّا سنشعر بمعنى النقاء في عالم يتكالب على التفاهة والرذيلة؟

لو لم يكن الحسين، لَعَمَّ الضلال الآفاق، وسكن اليأس النفوس، وجفّت مآقينا التي هي مطيّة الإحساس بالقرب؟ والافتقار إلى الغنيّ المطلق.

لو لم يكن الحسين، لتحجّرت قلوبُنا، وصارت خاوية، تذروها رياح الجفاف على مرافئ الحبّ الصافي.

لو لم يكن الحسين، لذُبنا في محيط الكفر، وتاهت بنا الخطى نحو مستنقعات الآفات والرذائل، لسقطت راية الحق، وتعطّلت الشريعة، وانتكس الكثير على أعقابهم، وأصبحوا نادمين.

لولا الحسين، لما تميّز الرشد من الغيّ، ولا العدل من الظلم، ولا الظالم من المظلوم، ولمات الأمل بالإصلاح، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظنّ الناس بالله ظنّ السوء، حتى كادوا يهلكون بالخسران المبين.

الحمد لله على نعمة الحسين “عليه السلام”. نعمةٌ طهّرتنا من خسائس الأمور، وأخلَت مداركنا من الأغيار.
لقد زرع الحسين فينا الفضائل العليا، وعلّمنا أن نكون أحرارًا في رفض العبودية لكل ما سوى الله، وأرشدنا إلى معيار الصحبة الصالحة في موقفه التاريخي مع أصحابه، حين قال:
“أما بعد، فإني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي…”

لقد أحيى فينا البصيرة، وعلّمنا كيف نختار من يسوقنا إلى الخلود، كيف ننبذ الدنيا ونعيشها قدر الكفاف، وهو القائل:
“أما بعد، فكأنّ الدنيا لم تكن، والآخرة لم تزل”

علّمنا معنى العطاء، وكيف نواجه الطغاة والمستكبرين بإيمان راسخ لا يتردد، حين صدح:
“إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى”
كما عرّفنا أسمى مراتب الصبر من أجل الغاية الأسمى حينما نتأمل:
“هوّنَ عليّ ما نزل أنه بعين الله”!

إنها مبادئ لا تموت، ومفاهيم لاتبلى، وخارطة مسار لاتضِل، إذ أوضحت معالم الطريق مختصرًا نحو الخلود، فصار كل تعب في سبيل الله عذبًا.

فمَن وجد الحسين، وجد كلّ شيء.
ولا خوف عليه، لأنه سيحظى بنجيع المجد والمكارم، فكلّ ما عندنا من الحسين، عبر إحياء مجالس ذكره، والحفاظ على شعائر أيامهِ، سيما يوم “عاشوراء” الذي هو من أيام الله تعالى.

فمن وجد الحسين، وأبصر نوره في إحياء ذكراه، فليثق أن قلبه مهيّأ لرؤية نور المهدي الموعود “عجل الله فرجه” ذاك النور الذي ليس إلّا قبسًا من نور أبي الأحرار “عليه السلام”.
وهل لثارات الحسين غير المهدي؟
فهو مَن يثبّت الخطى، ويبثّ روح الانتظار، ويخفّف وجعَ الغياب، منذ عام إحدى وستين للهجرة وإلى بومنا هذا، ليبقى اسمه مقرونًا باسم الأمل والعدل والظهور المقدّس.

فلنحفظ الحسين في قلوبنا وألسنتنا، وليكن شعارنا وشعائرنا، ولنحرص على إحراز موضع قدمٍ مع وَلدهِ الآخذِ بثأره، يوم ينادي المنادي: “يا لثارات الحسين!”.

٢-محرم الحرام-١٤٤٧
٢٨-حزيران-٢٠٢٥م