إقليم كُردستان والرواتب المفقودة.. أين الحقيقة؟!
آزاد محسن ||

تشهدُ الساحةُ السياسيةُ والإعلاميةُ في العراق سِجالًا متواصلاً بشأن ملفِ رواتبِ موظفي إقليم كردستان، وهو ملفٌ حساسٌ يُستغلُّ لأغراضٍ متعددة، ويُغلفُه الكثيرُ من التضليلِ والمغالطاتِ التي تستهدفُ الحكومة الإتحادية العراقية ظُلْمًا وعُدْوَانًا.
مِنَ المُهمِّ أنْ نُوضحَ حقيقةً أساسيةً، وهي أنَّ إقليمَ كردستان ليس كياناً مستقلاً، بل هو إقليمٌ ضمنَ الدولةِ العراقية الاتحادية، ويتمتعُ بخصوصيةٍ إداريةٍ تختلفُ عن المحافظاتِ الأُخرى، إلاّ أنه مُلزَمٌ بالعمل ضمنَ الإطارِ الدستوري والقانوني للدولة العراقية. وهذا يعني أنَّ الحكومةَ الإتحادية تُؤدي ما عليها من التزاماتٍ تجاهَ الإقليمِ، وتمنحُه حِصتَهُ الماليةَ كاملةً وفقَ ما يُعرفُ بالحصةِ المُكورةِ التي تشملُ التخصيصاتِ الماليةَ العامةَ، بما فيها مُخصصاتُ الرواتبِ والخدماتِ الأساسيةِ.
وفي هذا السياقِ، من الضروريِ التأكيدُ على أنّه
لا يوجدُ شيءٌ اسمُه “رواتبُ موظفي الإقليمِ” ضمنَ بنودِ الموازنةِ الاتحاديةِ، بل هناك حصةٌ ماليةٌ مقطوعةٌ تُسلَّمُ للإقليمِ، شريطةَ أن يُسدِّدَ ما يجنيهِ من وارداتِه العامةِ كعوائد النفطِ والكماركِ والمنافذِ وغيرها، وهو ما نصَّ عليه الدستورُ والاتفاقاتُ الماليةُ بينَ بغدادَ وأربيلَ.
لكن في المقابلِ، تتنصَّلُ حكومةُ الإقليمِ من التزاماتِها الدستوريةِ، حيث لم تقُمْ بتسليمِ وارداتِ النفطِ والكماركِ والمنافذِ الحدوديةِ والسياحةِ وغيرِها من المواردِ إلى الحكومةِ الاتحاديةِ كما يفرضُ الدستورُ، وهو ما يشكلُ خرقًا واضحًا للدستورِ والقوانينِ.
والأسوأُ من ذلكَ أنَّ هذهِ المواردَ تذهبُ إلى جهاتٍ غيرِ مُعلنةٍ، وتُدارُ بعيداً عن رقابةِ الدولةِ، فيما يُعاني المواطنُ الكرديُّ الأمرَّيْنِ بسببِ تأخُّرِ الرواتبِ وانعدامِ الخدماتِ.
والأكثرُ غرابةً، أنَّ الامتيازاتِ الخاصةَ والحماياتِ الشخصيةَ والأجهزةَ الأمنيةَ مثلَ “الباراستن” تُموَّلُ شهريًّا دونَ انقطاعٍ، بينما يُتركُ المُوظفُ الكُرديُّ البسيط، فريسةً للانتظارِ والمعاناةِ نتيجةَ السياساتِ الفاشلةِ والفسادِ المُستشري في مفاصلِ حكومةِ الإقليمِ.
لذلكَ، فإنَّ على الشعبِ الكُرديِّ أن يُدركَ حقيقةَ ما يجري، وأن ينهضَ بمشروعٍ إصلاحيّ يطالبُ بحقوقِه المشروعةِ، ويحاسبَ الفاسدينَ، ويُعيدَ الاعتبارَ لفكرةِ الشراكةِ الحقيقيةِ ضمنَ العراقِ الإتحاديّ، حيث تكونُ الحقوقُ مكفولةً والواجباتُ مُوزعةً بعدلٍ وشفافيةٍ.
إنَّ المرحلةَ تتطلبُ وعيًا شعبيًّا وموقفًا وطنيًّا شجاعًا يُنهي استغلالَ السلطةِ، ويُعيدَ توزيعَ الثرواتِ بشكلٍ عادلٍ يخدمُ جميعَ أبناءِ الوطنِ، وأولُهم أبناءُ كُردستانَ الذين دفعوا ثمنًا باهظًا لفسادِ ساستِهم.




