حَجُّ المنايا نحو كربلاء..!
كوثر العزاوي ||

في اليوم الثامن من ذي الحجة عام ٦٠ للهجرةـ، بينما كانت مكة تغص بالحجيج، بين غادٍ ورائح، وصامتٍ وصائح، كان الحسين بن علي “عليه السلام” يَهمُّ بالرحيل قاطعًا حجّهُ، ملبيًا داعيَ الله في غير مكة.
وبينما يستعدّ الحجيج للانتقال إلى منى، خرج الحسين من المدينة خائفًا كخروج موسى يترقّب، متحديًا بذلك كل التوقعات.
وقد انجلى عن مكة وهو ابنها*
وبه تشرّفت الحطيم وزمزمُ*
لم يدرِ أين يُريح بُدن رِكابهِ*
فكأنما المأوى عليه محرّمُ*
أجل! في ذلك اليوم، كان الناس ياسيدي في شغل شاغل، وأنت تطوي مأزرك لتُنهي موقفك في مِنى، والجميع منشغلون، وقد عزمتَ على أن تفارق مكة في يوم “التروية” المشهود.
لم يك أحد يعلم أنّ لك يوم “ترويةٍ” آخرَ سيكون على صعيد كربلاء، لكنك الراوي ولستَ بمرتَوٍ، إذ سيرتوي تراب كربلاء من دَم القلب والنَّحْر وجراحات الجسد، ولن ترتوي.
ويوم النحر في الأضحى بمكة، كان الحسين يستعد لنحر أضحيته، في اليوم العاشر من محرم الحرام. سيقدّم نفسه وأهل بيته وخيرة أصحابه أُضحيةً على ثرى كربلاء، حيث سيُقتلون في بداية يوم جديد، من عام “٦١ للهـجرة”، وهذا مالم يعْهدهُ الحجيج من قبل!
فصار للحسين حَجٌّ آخر، ما استطاع أحد غيره إليهِ سبيلا ولن يستطيع!، وصارت المنايا عَرَفة، والحجّ كربلاء. وحيث يلتقي المؤمنون في كل عام لاستذكار تلك الشعيرة العظيمة.
يُنقل عن الإمام الصادق “عليه السلام” أنهُ قال: “من فاتتهُ عرَفة بعرفات فأدركها بقبر الحسين “عليه السلام” لم تفتهُ و إنّ الله تبارك وتعالى ليبدأ بأهل قبر الحسين “عليه السلام” قبل أهل عرفات ثم يخاطبهم بنفسه”.
وعنه أيضا “إذا كان يوم عرفة أطّلع الله تبارك و تعالى على زوار قبر الحسين “عليه السلام” فقال لهم استأنفوا قد غفرت لكم ثم يجعل إقامتهُ على أهل عرفات”.
كامل الزيارات/٣١٩.
أما نحن ياسيدي ياحسين، فما زلنا عطاشى لم نرتَوِ، بانتظار زمزمك الريّان، ويقيننا ستعود بعد آلاف السنين لتروينا، مع ولدك المهديّ الموعود “عجّل الله تعالى فرجه”
“وعدٌ غيرُ مكذوب”
٩-ذو الحجة-١٤٤٦هجري
٦-حزيران-٢٠٢٥ميلادي




