من لا يشكر الناس لا يشكر الله..!
العلامة السيد عصام العماد ||

كلمة سماحة العلامة السيد عصام العماد أستاذ الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة التي ألقاها في السنة الماضية في تاریخ 19 – 5 – 2024م في منزل شيخه سماحة آية الله الشيخ الكوراني في يوم وفاته وقبل تشييع جنازته، وهي في الأصل كلمة مسجلة في الفديو وتم بثها في قناة الولاية العالمية قبل سنة، ورأينا أن تبقى بصورتها الخطابية بدون أي تغيير ونريد إعادة نشرها بمناسبة مرور عام على وفاته :
بسم الله الرحمن الرحيم
في الحديث النبوي الشريف
(من لا يشكر الناس لا يشكر الله).
رحمك الله أيها الشيخ العالم الجليل آية الله العلامة المجاهد المجدد الشيخ علي الكوراني.
لقد كنت علماً من أعلام الإسلام .. وقد تعلمنا منك محبّة أهل البيت عليهم السلام، وتعلمنا من هذا الشيخ الجليل الذوبان في كلام أهل البيت عليهم السلام .. وتعلمنا من هذا الشيخ كيف نحترم ونتدبر ونتعامل مع كلام أهل البيت عليهم السلام.
لقد كان يعيش كلمات أهل البيت عليهم السلام في وجدانه وفي أفكاره وفي كتاباته في خطبه وفي دروسه وفي أسلوبه وفي نفحاته.
وكان يأنس بما جاء عنهم عليهم السلام .. فكأنك ترى أستاذي وشيخي العظيم – وكلامي عنه هو من خلال تتلمذي على يده لفترة تزيد عن ربع قرن – عندما تجلس معه تجد كلمات الإمام علي عليه السلام وخطبه وحكمه يحفظها وكأنها جزء من تكوينه وكيانه، وتجد كلمات الحسنين عليهما السلام يحفظها ويعيش بها ومعها ويعيش في ظلالها يتنفس بها ويؤمن بما فيها ويعمل بمضمونها.
وتجد كلمات الإمام علي بن الحسين وكلمات الإمام الباقر والإمام جعفر الصادق والإمام الكاظم والإمام الرضا والإمام الجواد والإمام علي الهادي والإمام الحسن العسكري والإمام المهدي عليهم السلام صارت جز من تكوينه وبصمة من تفكيره.
وكان على محبّةٍ وعلى معرفةٍ وعلى درايةٍ بكتاب الله، ففي كتابه مفردات القرآن الكريم وكتابه مصطلحاتالقرآن الكريم.. تلمس بأن الله رزقه معرفة فريدة بلغة العرب، فكان أعجوبة في معرفة اللغة العربية.
نعم هنالك الكثير الذين يدّعون معرفة اللغة العربية، ولكننا حينما طالعنا وسمعنا منه دروسه في مفردات القرآن ومصطلحاته وجدناه عالماً ومتبحراً في مفردات كتاب الله ورأيناه شخصية قرآنية بكل ما لتلك الشخصية من صفات وسمات.
وقد وجدته في بحوثه عن مفردات القرآن وعن المصطلحات القرآنيّة يعالجها ويطرحها بمعرفةٍ وببصيرةٍ وبدرايةٍ، لأنه كان عبقرياً في معرفة اللغة العربية.
وكان شاعراً واديباً وفقيهاً ومتكلماً.
أذكر بأنه ذات يوم جاء أحد علماء لبنان – وكان في نفس عمر شيخي علي الكوراني – وأنا كنت جالساً بينهما واستمع ماذا يدور بينهما.. فقال ياشيخ علي أتذكر أننا كنا صغاراً في لبنان في منطقة جبل عامل نذهب نلعب وأنت تأتي بكتاب العلامة محمد باقر المجلسي بحار الأنوار وتعتكف على مطالعته – والكتاب هو موسوعة كبرى – وتجلس بجوارنا.
وقلت له يوم من أيام حضوري في أحد دروسه التي كان يلقيها علينا طوال أيام الأسبوع ماعدا يوم الجمعة: شيخنا الجليل أراك أصبحت كلمات الله في القرآن وكلام النبي(ص) وكلام أهل البيت عليهم السلام جزء من تكوينك وكيانك.. لا تتحدث عن أمرٍ من الأمور إلا وتذكر آية من كتاب الله أو تذكر رواية عن رسول الله(ص) أو تذكر رواية عن أهل البيت عليهم السلام.. فمن آين لك هذا العلم الغزير؟!.
فقال لي: هذا العلم حصلت عليه من مطالعتي لكل مجلدات كتاب بحار الأنوار للعلامة محمد باقر المجلسي .. وأصبح هذا الكتاب محفوراً ومحفوضاً في ذاكرتي مع المعرفة والدراية والفهم لكل ما في ذلك الكتاب.
وهناك أمر آخر وجدته فيه رضوان الله علیه وهو أنه اشتغل واهتم وتفرّغ في معرفة قضية الإمام المهدي عليه السلام، وعاش مع الإمام المهدي عليه السلام واعتكف في البحث عنه عليه السلام حتى صارت قضية الإمام المهدي عليه السلام جزء من تكوينه وتفكيره وجزء من حديثه على مدار كل حياته المباركة، وصار من المحال أن تمر ساعة من وقته بدون أن يحدثنا عن الإمام المهدي عليه السلام.
وأنا احمد الله – مع زملائي في هذا المجلس من كبار العلماء والفضلاء في حوزة قم المقدسة – أن رزقنا الدراسة على يده.
والمسألة الأخرى التي وجدتها من دراستي عنده رضوان الله علیه أنني وجدت في كتبه عن أهل البيت عليهم السلام وفي دروسه حولهم .. مثل كتابه ودروسه عن الإمام الباقر عليه السلام .. يجعلك تعيش مع الإمام الباقر عليه السلام في كلماته وفي كل جزئيات وتفاصيل حياته عليه السلام، أو عندما تنظر في ماكتبه أو دروسه حول الفكر الوهابي – بحكم أنني كنت وهابياً – تجده كان عارفاً معرفة دقيقة بالفكر الوهابي وكأنه كان وهابياً.
ومن كراماته .. أنني قبل يوم الخميس.. قبل وفاته ربما بيومين كنت في درسه ووجدت بأن ذاكرته لم تتغير أبداً إلى اللحظات الآخيرة من حياته.
وكنت أسمعه مراراً وتكراراً يدعو الله.. ويقول: ياربّ أريد منك أن تأخذني وأنا سليم معافى في بدني وفي عقلي.. ربّاه أريد أن أخدم أهل البيت عليهم السلام إلى آخر لحظة في حياتي.
وبالفعل رأيت بنفسي كيف استجاب الله لدعائه ونال ما طلبه من ربّه.
ولم يكن يتعب أبداً في تبليغ وتعليم مذهب أهل البيت عليهم السلام، حيث كان لديه طاقة جبّارة.
أذكر في يوم من الأيام – كنت حينها في قناة الولاية العالمية هذه القناة التي تبث منها هذه الكلمة – قال لي المسؤول عن القناة: نحن نريد أن تلقي في القناة درسين أو ثلاثة دروس في اليوم الواحد، لأن شيخك الكوراني يصنع ذلك .. فقلت لهم: أنا لست الشيخ علي الكوراني الشيخ الكوراني لا يتعب وهو طاقة جبّارة .. مع أنه في الثمانين عاماً من عمره، لكنه كان يبّث أكثر من درسٍ واحد في اليوم.
وكان رضوان الله علیه يعيش أهل البيت عليهم السلام كقضية لامست حياته وغرست في وجدانه ترعرت في كيانه وتكوينه .. يحمل همّ أهل البيت عليهم السلام ويتفاعل معهم.. لأجل ذلك لا يتعب أبداً من الدروس حولهم والكتابةعنهم.
كنت معه قبل أيام من وفاته وأخبرني وأخبر جميع زملائي من علماء حوزة قم المقدسة – وسوف نتأكد من ذلك من خلال الاستفسار من ولده – بأنه على وشك إكمال كتاببن – ولعله أكتمل من تأليفهما – كتاب عن قريش ودورها في محاربة رسول الله(ص) وفي محاربة
آل رسول الله عليهم السلام وكتاب عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
وأنا أرى أنه كان مكتبةً متحرّكةً .. وتلمس فيه أنه ذاب في محبة أهل البيت عليهم السلام وذاب في الإسلام والقرآن وذاب في الإمام المهدي عليه السلام.
ومن الأمور التي استفدتها من مجالسته ومن معاشرته ومن دروسه ومن مطالعة كل كتبه أنني سألته في أحد الأيام مع وجود بعض الحاضرين هنا في منزل شيخنا رضوان الله علیه.. قلت له مولانا وشيخنا الجليل: في رأيكم بالنسبة لصاحب كتاب بحار الأنوار العلامة محمد باقر المجلسي ووالده العلامة محمد تقي المجلسي.. ماهو رأيكم بالنسبة لفهمهما للروايات أيهما أكثر معرفة؟.
قال: صاحب البحار أوسع في جمع الروايات من والده ولكن الأب أكثر معرفة في فهم الروايات من ولده.
ولفتني فيه رضوان الله علیه أنه كان يهتم بأمور المسلمين في العالم ويعيش مع قضاياهم ويتحدث عن همومهم .. فقبل أيام تحدث عن غزّة وفلسطين.. ولديه إهتمام بكل ما يرتبط بحزب الله في لبنان وبأنصار الله في اليمن، ونحن نعلم بأن السيد حسن نصر الله- حفظه الله – هو تلميذه، وكان عندما يذهب إلى لبنان يفتح السيد حسن نصر الله له المجال ليلقي دروساً في مجاميع ومعسكرات حزب الله، وكان محبوباً عند الجميع، ومنفتحاً على الجميع.
لم يكن يحجزه تفرّغه للعلم عن تفريج الكرب عن الناس وحل مشكلاتهم وحمل همومهم.. وأحياناً كان يتصل لأحد الأشخاص الذين عرفتهم .. يسأله هل اصلحت مشكلتك مع زوجتك؟ .. وكان يهتم بتفاصيل وجزئيات حياة الناس الذين حوله.
وكان شخصية إجتماعية من الدرجة الأولى، وشخصية سياسية.
وكان محدّثاً وعالماً في أصول الفقه ومحققاً في تراث المسلمين.
وكان شجاعاً .. وأعجبت كثيراً بشجاعته الفريدة، فكان إذا آمن بفكرة واقتنع بها يعلن بها ولا يخاف احداً إلا الله سبحانه وتعالى .. وعندما يصل إلى اليقين في قضية ويتأكد بأنها ثابتة في القرآن وفي كلام النبي(ص) وكلام أهل البيت عليهم السلام ويصل إلى اليقيين بينه وبين الله أن الحق معه في تلك القضية يقوم بتبليغها ونشرها حتى لو غضب منه الجميع .. لم يكن يجامل أو يداهن أحداً أبداً .. يعني كان يمتلك شجاعة فريدة فلا يخاف إلا من الله.
من هنا نجده ينتقد شخصيات لها رمزية ولها أتباع وله قدسية في المجتمع ويقال له ستعرض سمعتك للتشويه وحياتك للخطر .. فيقول أن لا أخشى من أحد إلا من الله.. ويرى بأنه من واجبه أمام الله أن ينتقد تلك الشخصية، ولا يبالي بماذا سيحدث من ردّة فعل من أتباع تلك الشخصية.
ومن المهم أن أذكر بأن الرجل رضوان الله عليه كان مخلصاً لله وكان مؤمناً وتقياً وورعاً.
قال لنا في أحد الدروس – وبعض الحاضرين هنا في منزل العلامة علي الكوراني رضوان الله علیه سمعوا منه ما سمعته أنا منه – :- بأن أحد أولياء الله في لبنان بعد أن تعرّض الشيخ علي الكوراني لمحاولة إغتيال من قبل إسرائيل ونجى من الموت وكان في سن الأربعين عاما.. فقال هذا الولي للشيخ الكوراني: أنت الآن في الأربعين عاما وستعيش مثل ذلك ثم تموت وأنت في الثمانين عاما .. وقبل أيام من وفاته قال لنا الشيخ الكوراني في الدرس الآن وصلت إلى الثمانين من عمري وهذه سنة موتي كما أخبرني ذلك الولي .. وبالفعل مات وهو في الثمانين من عمره.
أنا في الحقيقة فقدت أستاذاً وأباً روحياً وعالماً وعلماً من أعلام الإسلام، وهو شخصية تعد من نودر الدهر.
وأذكر حقيقةً هامةً .. وهي بأن الكثير من الذين ظلموه في حياته وجهلوا قدره .. اليوم بعد أن ذهب إلى ربّه سيرون ويطلعون على تراثه وعلى مكتبته العلمية الفريدة التي تذكرك بتراث العلامة محمد باقر المجلسي صاحب بحار الأنوار وتذكرك بالعلماء الكبار من أصحاب الموسوعات العلمية.. وسوف يدرك خصومه أنه كان رجلاً فريداً لا يأتي الزمان بمثله إلا بعد دهر طويل.
رحمك الله يا شيخنا وجعلنا نمشي على نهجك في محبتك لأهل البيت عليهم السلام وفي ذوبانك في الإسلام والقرآن، وحشرنا معك ورزقنا شفاعتك يوم القيامة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




