السبت - 13 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
السبت - 13 يونيو 2026

إيمان عبد الرحمن الدشتي ||

 

عادت زهراء ذات يوم من مدرستها والحزن قد علا مُحيّاها، استقبلتها أمها بالترحاب:
– أهلا حبيبتي.
– السلام عليكم ماما.
– وعليكم السلام يا قرة عيني وبهجتي، أراك كئيبة!
– سأخبرك يا أمي فيما بعد.

أدّت زهراء صلاتها وتناولت غداءها ثم نامت لتأخذ قسطاً من الراحة، وبعد أن استيقظت جلست مع أمها، فبادرتها أمها بالسؤال:

-نعم عزيزتي، أخبريني ما الذي أزعجك؟
– ماما؛ بين فينة وأخرى يُسمعنني زميلاتي كلاماً جارحاً، ويتنمَّرنَ عليَّ لأنني أرتدي العباءة، أنتِ عجوز! أنتِ جدتنا! أنتِ لا تواكبين تطور الحياة! وأنتِ وأنتِ…! وفي كل مرة أنزعج وأدافع عن نفسي وكأنني فريسة بين ضباع، ورغم ذلك لا أتألم بقدر ما تألمتُ اليوم! فقالت أمها:

– ولمَ يا عزيزتي؟!
– اليوم أحسست بشعورٍ مختلف! شعور المنهزم الذليل، ضعيف الإيمان الذي لا يقوى على نصرة عقيدته! إذ قلت في نفسي: أأدافع عن نفسي ولا أدافع عن عباءة زينب، عقيلة بني هاشم سلام الله عليها؟! أنا الآن في الخامس الإعدادي، ومنذ أربع سنوات وإلى الآن وأنا أدافع بنفس الشاكلة!
فقالت الأم وهي تعانقها:

– كبُرتِ بعيني يا لبوتي، أنا سعيدة وفخورة جداً بتفكيرك العقائدي الراقي، وهل أنتِ قادرة على ردعهن؟!
– عقيدتي تحتم عليَّ ذلك، سأحاول يا ماما وسترَين أن الله سيعينني، أليس هو القائل (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وأنا على يقين من ذلك.

في صباح اليوم التالي توجّهت زهراء لمدرستها كالعادة، بكامل حشمتها وسترها الزينبي، دخلت المدرسة مع مئات الطالبات المتفاوتات في زيّهن وزينتهن! تجمعنَ في باحة المدرسة للإصطفاف، فقدّمت مديرة المدرسة بعض التوجيهات، وتلتها بعض المدرسات بتوجيهاتهن العلمية والتربوية، ثم أُذِن للطالبات بالتوجه إلى قاعاتهن وبصفوف منظّمة.
كانت نظرات زميلات زهراء تجاهها متباينة، بين خجل! وعناد! وأُخر متجاهلة إياها! بينما كانت زهراء تمشي واثقة الخطوة كأنها ملكة!

عندما حان موعد الدرس الثالث إعتذرت مدرّسة المادة عن إعطائهن الدرس لظرف خاص، وأكّدت عليهن لزوم البقاء في القاعة والمحافظة على الهدوء، شعرت زهراء بانتعاش، وأحسّت أن الفرصة مؤاتية لأخذ دورها! نادت في خلجات نفسها “يا مولاتي يا فاطمة، ويا مولاتي يا زينب أغيثاني” وتوجهت أمام الطالبات، لتقف بكل ثقة وعزٍّ وشموخ، وبدأت الكلام:

– زميلاتي العزيزات؛ إعلمنَ إني أُحبكنَّ جميعا، ولا أحمل لأي منكن ضغينة، وأرجو منكنَ أن تُنصتنَ لكلامي، كرامة لسيدة العفة والطهارة مولاتنا زينب عليها السلام.

ثم أردفت قائلة:
– إرتديتُ العباءة وأنا في عمر الثالثة عشر، وفي داخلي ندم إذ لم أرتدها وأنا في بداية سن التكليف!

فقاطعتها إحداهن:
– أراكِ تريدين أن تثأري لنفسك! وتلقّنيننا درساً تربوياً! لأننا يوم أمس عبنا عليك ارتداءك العباءة!
– ومن قال إني تألمت لنفسي؟

ثم استأنفت حديثها قائلة:
– زميلاتي الغاليات؛ كل واحد منّا قد يُعجب بشخصية فيتخذها قدوة، وهذه القدوة ربما تستهويه في منطقها، أو ثقافتها، أو مستواها العلمي، او سلوكها ونشاطها، وحتى في ملبسها، وخير قدوة هي القدوة الصالحة، التي تزرع في المقتدي بذرة النجاح، فتينع فيه ثمار طيبة.
زميلاتي العزيزات؛ وأنا كباقي الناس اخترتُ لنفسي قدوة، وقد قل نظيرها في التاريخ، فهي من خيرة البشر نسباً وعنصراً وعفة ونقاء.

فردّت عليها إحدى زميلاتها بتهكّم:
– ومن هي قدوتك؟ اخبرينا علّنا نتخذها قدوة نحن أيضا.
ثم ضحكت وأضحكت معها الطالبات! فردّت عليها زهراء:

– قدوتي هي السيدة الطاهرة “زينب”
فاطرقت الطالبات بِصمت

– نعم إنها زينب بنت فاطمة عليهما السلام، يا عزيزاتي لم يُسجّل لنا التاريخ موقفاً عاب حجابهما، بل على العكس؛ كان الشموخ والرفعة والوقار والسمعة الطيبة والالتزام سمتهما.
مولاتي زينب سطّرت أروع صور البطولة والفخر في كربلاء، وصمدت في مجلسَي أعتى الطواغيت، ورغم محنتها وفي أحلك الظروف فهي لم تتخلَّ عن عباءتها وخدرها، لماذا؟ لأن العباءة كيانها وهويتها، فأعطتنا درساً أن العباءة جزء لا يتجزأ عن خدر المرأة المؤمنة، ولا تشكّل لها أيّ عائق وبأصعب المواقف، بل على العكس أراها مورد فخر وإباء وحصن من نظرات العابثين، ويؤكّد مراجعنا العظام بأن العباءة الزينبية أفضل حجاب، فلِمَ لا نتمسّك بالأفضل؟!

لماذا نجلد ذاتنا ونوهّن من عزّ هويتنا وانتمائنا الزينبي؟! ألا ترون أعداءنا كيف يسعون لإشاعة الابتذال والتهتّك والسفور؟! لأن في ذلك ضعفنا ونخر مجتمعاتنا فيسهل عليهم تركيعنا واستعمارنا واستعبادنا!

اندهشت الطالبات من منطق زهراء واغرورقت عيونهن، حينها قالت:

– زميلاتي الغاليات؛ أُقسم بالله أني أحبكنّ كحبي لنفسي، واسعى أن تكون كلّ واحدة منّا راية لزينب، تخفق بفخر وعزّة في ميادين الحياة.
ولا يغيب عن بالكنَّ عزيزاتي أن لنا إمام غائب، لكنه يراقب أعمالنا وينتظر عزمنا في إصلاح الأمة، ويُسَرُّ قلبه الشريف إن رآنا ملتزمات، وعلى نهج عمته العقيلة سائرات، إنه إمامنا المهدي (عجل الله فرجه الشريف) فلنصدقْ بمحبتنا له ولعمته، ليتقبلنا ويسدّدنا ونكون عوناً له في التمهيد لدولته المباركة.

ثم قالت وقد علت مُحياها ابتسامة جميلة:

– أعتذر منكنّ عزيزاتي، وأرجو أن لا أكون قد تسببت بإيلامكن.

فأجبنها وبصوت واحد:
– بل نحن نشكركِ جزيل الشكر أن احييتِ فينا روح العقيدة، وأيقظتِ فينا شعور الانتماء الزينبي، وذكّرتِنا بإمامنا المنتظر، وبأن لا يستهوينا شيء إلا وهو يهواه، ومن هنا نعاهد مولاتنا (سلام الله عليها) أننا بتوفيق الله سنكون لها رايات خفاقة في ذرى المجد، لنخلّد سترها وحجابها، ونكون لإرثها صائنات ولعفافها داعيات، ولإمامنا المهدي عاملات مطيعات ممهدات.

17/ 5/ ٢٠٢٥