الجمعة - 15 مايو 2026

آمنة “قبسٌ من “فاطمة” وجذوةٌ من “زينب”..!

منذ سنة واحدة
الجمعة - 15 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

فاطمية في دفاعها عن عقيدتها والمذهب، زينبية في شموخها ووقوفها بوجه الطغاة، مخلصة في نصرتها للحقّ والوقوف بوجه الطاغية، هكذا عرفناها، إنها “آمنة بنت الهدى” الأمينة في احتضانها روح نهج آل محمد!

فقد نَسجَت من الرضا ثوب صبرها في مجتمعٍ يتأرجح بين الهدى والضلال على الصعيد الفردي والاجتماعي، في ظلّ الترويج لشعارات المساواة وتحرير المرأة، عاشت “بنت الهدى” الهمّ الرساليّ الذي انطوت عليه ملامحها لتبدو ابتسامتها ودمعتها مزيجًا من نور ينبعث في جبينها، تجعل منه سراجًا تستضيء به في ظلمة ليل الزمن الحالك،

ومالها من صباحها سوى زهرة الذكر تسبيحةً تخالط سجدتها، تستوحي منها عبيرَ ماينتظرها من البوح العاطر بهمس الملكوت، تنثره كلماتٍ عابقة، تنشرها في سطور، يناغم مِدادها عقولًا لأجيالٍ واعدة، فصار عطاءً ثرًّا يداعبُ حُلمًا راودها منذ الصبا،

يوم كان من المُحال عُرفًا شمّ رحيق الشهادة لغير الرجال! لكنها خَرَقت العادة، لتغذي مشاعرها بالأمل والدعاء لخمسين خلَت من عمرها، حتى استقر الحلم في غياهب المجهول الأجمل، فما لبث أن تحوّل الحُلم إلى حقيقة، مذ أخذت تَعدُّ الأنفاس لعمرٍ شَرَتهُ لربها مختارة لامُرغَمة،

لتصبح شريكة المسير والمصير مع أخيها المتفاني في خدمة الدين والمجتمع، وما إن تحقق الحلم حتى عرجت على براق الشهادة حيث مصافّ الصدّيقات، إنها الخاتمة الحسنة لِمن كانت طبيبة للأرواح، حكيمة تعِظُ التائهات في صحراء الدنيا، وعندها ترياق الحب، وسِحر إخلاص الكلمة،

تداوي بها من أصابها هوس التحرّر وحمّى التقدّم والإنحلال، في زمن الحرية والديمقراطية الآتية عبر رياح الغرب الصفراء آنذاك!! فكانت نِعمَ مَن تصدّى وردّ ودافع عن العقيدة والدين، بسماحةٍ ولين، بعد أن سَبرت غور الأحداث وحاجة المجتمع، فأعدّت نفسها للفناء في سبيل الله، فما تركت خلفها من الدنيا متاعًا ولاشيء من بهارجها! بل كان الخَلَفُ لها، ذلك الدور الرياديّ المتميز،

إذ تقمّصته في الدفاع عن الحق والحقيقة، لتصل بحكمتها وعِلمها وبصيرتها الى خير مآل، فقد جعلت حياتها وقْفًا لله تعالى، في سبيل إصلاح المجتمع وتوجيهه، وقد انبرت تفكّر وتبحث وتنظِّر وتكتب في كيفية الإرتقاء بالمجتمع وبنات جنسها إلى أعلى مراقي السمو الإنساني، عِبر إثاراتها الهادفة لمعنى”أن تكون المرأة إنسانة كما يريدها الله كريمة فاضلة، لا كما يريدها الناس انثى هابطة تتحرك بمفاصل جسدها كمن يعرِض سلعة للبيع بعد تزويقها ثم سرعان ماتبور”!!

لقد حققت”بنت الهدى”ومن خلال الرسالة القصصية المتميزة تقدّمًا في نشر معالم الإسلام المحمديّ الأصيل، بفكرٍ وقّاد وأفكار سلسة كأنها السلسبيل، عندما كرّست ذائقتها الأدبية، بأسلوبٍ يحاكي واقع المرأة والمجتمع بمختلف فئآته العمرية، فصار مثارًا للتشويق عبر العناوين الجاذبة،

كالفضيلة تنتصر، والدعوة إلى الله، والخالة الضائعة، ولقاء في المستشفى، وغير ذلك مما ترك الأثر العميق في نفوس الفتيات، سيما الطالبات الجامعيات منهنّ، فأحدثت قصصها يومئذ، ثورة تغييرية على مستوى انتشار الحجاب في المدارس والجامعات، والتقصّي عن معالم الدين والعقيدة.

ولمّا أخذت كتبها حيّزًا في الأوساط النسوية، أثار ذلك غضب ورعب السلطة البعثية الحاكمة، وكعادتها في قمع الحريات ومصادرة الرأي، شنت حملة اعتقالات واسعة، طالت الفتيات والنساء دون تمييز، خوفًا من انتشار الحجاب واتساع رقعة الوعي الديني، مما أزاح الستار عن الوجه الحقيقي لقباحة النظام البعثي الديكتاتوري وحقيقة عداءه للدين، وحقده المتجذر على حَمَلَة العلم وذوي البصيرة، دون التمييز بين رجل وامرأة ولاصغير أو كبير. والتاريخ شاهد على إعدامه لما يقارب ٣٠٠٠ آلاف من حرائر العراق، وعدد كبير منهنّ لا أثر لها ولا قبر!.

وبذلك فضحَ الطاغية صدام مزاعمه الكاذبة للحرية والديمقراطية.

“فسلام للروح الطاهرة وهي تُزهَقُ عنوة تحت وطأة التعذيب الوحشي في دهاليز هارون زمانها لتمضي “العلوية بنت الهدى” إلى ربها شهيدة مفقودة الأثر أسوة بجدتها الزهراء “عليها السلام”

٩-نيسان- ٢٠٢٥