الجمعة - 26 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الجمعة - 26 يونيو 2026

رعد صباح زنكنة ||

في الخطابات السياسية بالعراق، غالبًا ما يُذكر الكُرد الفيليون بشكل سطحي، مصحوبًا بعبارات التملق دون ترجمة حقيقية على أرض الواقع، فالساسة يتحدثون عنهم كصفحة مشرقة في تاريخ البلاد، لكن سرعان ما يتم تجاهلهم بعد انتهاء المناسبات.

هذه الشريحة من العراقيين التي عانت معاناة مضاعفة بسبب هويتها الكردية ومذهبها الشيعي، لا تزال مهمشة، حبيسة الوعود دون الحقوق.

لقد تعرض الفيليون لأبشع حملات الإقصاء في تاريخ العراق الحديث، حيث هُجِّروا قسرًا في السبعينيات والثمانينيات، وجُرِّدوا من جنسياتهم، وصودرت أملاكهم، واختفى كثيرون منهم في السجون أو على الحدود. وبعد عام 2003، تطلعت هذه الفئة إلى عراق جديد يعيد لها الاعتبار، لكن الأنظمة المتعاقبة لم تقدّم سوى الخطابات الرنانة والقليل من العدالة.

وتتعامل الدوائر الرسمية مع ملفات الكُرد الفيليين ببرود بيروقراطي شديد، حيث تستغرق المعاملة الواحدة سنوات عديدة، وتُرفض الطلبات لأسباب واهية، وتضيع الوثائق، أو تُطلب مستندات غير موجودة أصلًا، ليجد المواطن الفيلي نفسه في رحلة عذاب لاستعادة جنسيته أو منزله، وكأنه يطارد سرابًا. فالمعاناة هنا ليست مجرد تعقيدات إدارية، بل إهمال ممنهج، وكأن الدولة تخجل من الاعتراف بجرائمها، أو تخشى من فتح الباب أمام مطالبات عادلة.

يجري استغلال مظلومية الفيليين في كل موسم انتخابي؛ إذ تُرفع صورهم، وتُذكر معاناتهم، وتُستحضر قبور مفقوديهم في الخُطب، لكن لا يجرؤ أحد على تقديم مشروع حقيقي لإنصافهم. فلا توجد لجان فعلية للتعويض ولا برنامج وطني لجبر الضرر ولا حتى محاولة لخلق تمثيل سياسي مستقل يعكس هوية المكوّن بعيدًا عن التبعية.

أما داخل المكون نفسه، فقد ظهرت حالات تمثيل عشائري مزيف، يتحكم بالمطالب ويصادر القرار الجماعي، فتحوّل من يُفترض أن يكون صوت الكُرد الفيليين إلى وسيط للمصالح يسوّق لقضيتهم لتحقيق مكاسب شخصية أو للتقرّب من أحزاب السلطة وتم تهميش الكفاءات وقمع الأصوات الصادقة، ليقع الفيليون مرة أخرى ضحية للإهمال الرسمي والاستغلال الداخلي.

المؤلم أن هذه المأساة تتكرر بصيغ مختلفة كل بضع سنوات، دون حلول جذرية، فأبناء الكُرد الفيليين ما زالوا يبحثون عن رفات مفقود، أو منزل مسلوب، أو جنسية مسحوبة، وعن اعتراف من وطن لا يتقن سوى النسيان.

ولا عجب أن يتحوّل اسمهم إلى مجرد عبارة عابرة على لسان كل سياسي، فالحقيقة المُرّة هي أن الكُرد الفيليين، بالنسبة لغالبية الطبقة الحاكمة، ليسوا سوى “لعق على ألسنتهم”، كما وصفها الكاتب والصحفي ا.صباح زنكنة عبر إحدى المقابلات التلفزيونية السابقة.