السَّلاَمُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّعٍ بَرَما..!
كوثر العزاوي ||

الحديث عن مشاعر الوداع لشهر الله، هو حديثُ وجع الروح والمعنى، حين ينطوي مسرِعًا بين الشهقة والزفرة، والدمعة والسجدة. وكلما دَنَت أيامهُ من عتبة الرحيل!
نشعر أنّ جزءً منّا يمضي، مايعني أنّ شهرًا في السنة من حياة الكثير، إنما يعدل العمر كله، أو لعله من جانب آخر، يمثّل لنا الحرز والسند، والحصن والناصر، والجابر والمثبِّت!
وليس ثمة مَن يلوم عندما يقف المؤمن عند هذه الخصائص لشهر الله تعالى، وهو يشعر بالثَّكْل، حيث الإحساس بالفقد، لعزيزٍ تعلّقَ به لأيام معدودات، تبرَأ فيها الجروح، ويطيب فيها الخاطر، لأنها حملت بين طياتها معاني الملكوت المتجلّية في أسحاره ولياليه، سيما سِحْر ليالي القدر وماأدراك ماليلة القدر!
وهي التي عند الله خير من ألف شهر!!
بهاء وسلام، والأمل معقود، والخير مأمول، فلاعجب أن تلحّ مشاعر الفقد والوحشة برحيل شهر رمضان، لتُسبّب كل هذا الاعتصار والانقباض والشعور بالغربة، والروح لم تفتأ تداوي جروحها، والنفس تكبح جماحها، مذ راهنت على رغباتها وردع هواها، وما بين رشحات الحب وزفرات الشوق، إذ تباغت الأيام خلوتها لتعلن انقضاء مدة اللقاء!! فوالله إنها محنة روح سكرى ومشاعر نشوى، وإحساس ضاغط لايرقى له أي إحساس!!
فلاغروَ! ونحن نلمس ذات الاحساس بل أقوى وأسمى، حينما نقرأ نبضَ خير الخلق “الإمام المعصوم معزّيًا ومبيّنًا خير شهر الله وفيوضاته فيقول:
{وَقَدْ أَقَامَ فِينَا هَذَا الشّهْرُ مُقَامَ حَمْدٍ، وَصَحِبَنَا صُحْبَةَ مَبْرُورٍ، وَأَرْبَحَنَا أَفْضَلَ أَرْبَاحِ الْعَالَمِينَ، فنحن مودّعوهُ وداع من عزّ فراقه علينا، وغمَّنا وأوحشنا انصرافه عنا، ولزِمْنا له الذمام المحفوظ، والحرمة المرعيّة، والحق المقضي، السلام عليكَ من ناصر أعان على الشيطان..} يالَه من عزاء!
الى آخر الدعاء..لذا فمن يشعر بمصيبة الفقد هو مَن عرف قدرَ شهر الله وجليل شأنه، فعاش محنة رحيله وصعوبة مفارقته.
ولكن هل ثمة فرصة لاغتنام بقيَّة الشهر العزيز؟
أجل!
لا نزال في شهر رمضان، ولا تزال هناك بقيّة من هذا الشهر، يمكن لنا أن نحقق فيها لمزيد من رضا الله وقربه، إذا لم نكن قد حصلنا عليه فيما مضى، فلنجتهد كي نعيش ما تبقى في حالة طوارئ معنوية، فسِحرُ السَّحَر لا يُمَلّ، وإنّ أبواب الجنان مازالت مشرَعة، ومناهل الظِماءِ مترَعة، والشياطين مغلولة.
فلنسأل الله اللطيف أن لا يسلِّطها علينا، إذ أنّ مكاسب الشهر ثمينة لا يفرّط بها إلّا الجاهلون!.
نسأل الله تعالى أن يكتبنا وإياكم ممن أُسعِدَ في الشهر الفضيل برعاية حرمته، ونعوذ به أن نكون ممن شقى فيه وحُرِمَ فضله وخيره وبركته إنه سميع مجيب.
٢٤-رمضان الخير-١٤٤٦هجري
٢٥-آذار-٢٠٢٥- ميلادي




