الذكاء الاصطناعي والوهم الانطباعي..بوصلة المواقف..!
جليل هاشم البكاء ||

الذكاء الاصطناعي، بما أحدثه من ضجة إعلامية وتقدم مذهل، يدفع البعض إلى الاعتقاد بأنه معجزة العصر أو قفزة تتجاوز حدود الإبداع البشري. لكن في الواقع، لا يعدو كونه امتدادًا طبيعيًا لمسيرة التطور العلمي والتقني التي بدأت مع اختراع الكمبيوتر والأجهزة الذكية.
إن الذكاء الاصطناعي لم يكن ليظهر أو يحقق نجاحه الحالي لولا وجود الحواسيب وتقنيات معالجة البيانات التي تعتمد في جوهرها على تراكم المعرفة البشرية. ومن ثم، فإن أي إنجاز حققه هذا المجال ما هو إلا محاكاة لقدرات الإنسان الفكرية والإبداعية، وليس تخطيًا لها أو استبدالًا بها.
الذكاء الاصطناعي بين الإبداع والمحاكاة
يتميز الإنسان بقدرة فريدة على الإبداع والتجديد، وهي هبة ربانية جعلته خليفة في الأرض، قادراً على التفكير النقدي، والابتكار، والتجريد، والتعبير الفني والأدبي. أما الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت إمكانياته،
فهو لا يخرج عن كونه منظومة برمجية متقدمة تقوم على تحليل البيانات واستنتاج الأنماط ومحاكاة التفكير البشري بناءً على ما تغذى به من معلومات. فكل صورة يرسمها، وكل نص يكتبه، وكل قرار يتخذه، هو في حقيقته انعكاس لما صنعه الإنسان مسبقًا، وليس ابتكارًا ذاتيًا.
لذلك، من الخطأ الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي يمثل إعجازًا تقنيًا خارقًا. فالإعجاز هو ما لا يُمكن للإنسان أو غيره مجاراته أو منافسته، بينما نجد الشركات والدول تتسابق في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والتفوق فيها. ولو كان الذكاء الاصطناعي معجزة، لما وجدنا هذا التنافس، إذ إن المعجزات لا يمكن تكرارها أو تحديها، في حين أن التكنولوجيا، مهما بلغت، تظل مجالًا مفتوحًا للتطور والمنافسة.
الضجة والواقع: أين الحقيقة؟
ربما يعود جزء من الضجة المثارة حول الذكاء الاصطناعي إلى عامل السرعة؛ فهو قادر على إنجاز المهام في وقت قياسي مقارنة بالجهد البشري التقليدي. لكن هذه السرعة لا تعني بالضرورة أنه يمتلك جوهر الإبداع، بل تعكس فقط قدرة التكنولوجيا على المعالجة الفائقة.
ومن ناحية أخرى، قد يكون الذكاء الاصطناعي ملاذًا لمن يفتقرون إلى الموهبة أو الاجتهاد، حيث يُمكن للبعض استغلاله لخلق أعمال تبدو إبداعية ظاهريًا، لكنها تفتقر إلى الجوهر الحقيقي للابتكار. غير أن هذه الفورة لن تدوم طويلًا، فالإبداع الأصيل لا يزال يتطلب جهدًا فكريًا، وخبرة، وموهبة لا يمكن استنساخها آليًا. وكما حدث مع العديد من التقنيات السابقة، ستُغربل الأيام هذه الظاهرة، ولن يبقى في الساحة سوى المبدعين الحقيقيين الذين يمتلكون الرؤية والقدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، لا كبديل عن التفكير والابتكار الإنساني.
الخلاصة
ان الذكاء الاصطناعي هو مجرد انعكاس لعبقرية الإنسان، وليس منافسًا لها. وما نراه من تطور مذهل في هذا المجال لا يعدو كونه نتيجة طبيعية لمسيرة طويلة من البحث العلمي والتقني. أما الضجة المثارة حوله، فربما تكون ناتجة عن سرعة الإنتاج وإمكانية وصول غير الموهوبين إلى أدوات تساعدهم على الادعاء بالإبداع. لكن في نهاية المطاف، سيبقى الإبداع الحقيقي في أيدي من يملكون الرؤية والقدرة على التفكير العميق، بينما سيظل الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة، لا غاية.




