السيادة الرقمية في عصر الأزمة الجيوسياسية..!
رعد صباح زنكنة ||

الصراع على الهيمنة الرقمية يعيد تشكيل السياسة العالمية في الوقت الذي تتنافس فيه شركات التكنولوجيا العملاقة والدول على السلطة في الفضاء الإلكتروني، فإننا نشهد صراعا غير مسبوقا يعيد تعريف السيادة نفسها.
اليوم تتسابق الدول لبناء حواجز افتراضية، وتأكيد الهيمنة على أراضيها الرقمية، وتقليل الاعتماد على شركات التكنولوجيا العملاقة مثل جوجل وأمازون ما يعني إن الأمر لا يتعلق بإزالة الحواجز كما يزعمون بل لبناء حواجز جديدة وهذه المرة بطريقة رقمية مخيفة.
السيادة الرقمية لا تتعلق فقط بمن يحكم الإنترنت، بل تتعلق أيضًا بمن يحكم المجتمع نفسه، اذ تسعى أوروبا على سبيل المثال إلى فرض رقابة حكومية أقوى على الفضاءات الرقمية بشكل سافر ، وينطبق هذا بشكل خاص على الأنظمة الاستبدادية، حيث تعمل الأدوات الرقمية كسكين سويسري للقمع (الرقابة والمراقبة والدعاية) كلها في واحد!!.
وهنا تكمن حقيقة غير مريحة، اذ ان التكنولوجيا الرقمية ليست ديمقراطية بطبيعتها، لإن الأنظمة الاستبدادية غالبا ما تكون أكثر قدرة على استخدام هذه التكنولوجيا من نظيراتها الديمقراطية، فعندما لا تكون هناك مخاوف بشأن قوانين الخصوصية أو التدقيق العام، تصبح تكنولوجيا المراقبة أكثر فعالية وبشكل كبير، في حين تتداول الأنظمة الديمقراطية آلية أخلاقيات التعرف على الوجه، تعمل الدول الاستبدادية على بناء أنظمة شاملة لمراقبة مواطنيها والتلاعب بهم، ليتحول التكنولوجيا الى عدو للديمقراطية لا حليف !
لقد قامت كل من الولايات المتحدة والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بتأليف كتاب حول الاستبداد الرقمي، ويكشف التقرير أن القوى الكبرى تحتفظ بجيوش من المعلقين على الإنترنت الذين يتقاضون رواتب مقابل نشر المعلومات المضللة والتلاعب بالروايات، مما يكشف عن الخطر الجسيم وتعقيد هذه العمليات، وقد اتخذت روسيا خطوات مماثلة، حيث قامت بتحويل التكنولوجيا الرقمية إلى أداة للتلاعب بالرأي العام ولم تعد هذه الأدوات مجرد أدوات محلية؛ بل يتم تصديرها إلى أنظمة استبدادية أخرى، مما يؤدي إلى خلق مجموعة أدوات أساسية للاستبداد الرقمي.
لقد برزت السيادة الرقمية كلاعب مهم في الانتخابات في جميع أنحاء العالم فيمكن لشركات التكنولوجيا الكبرى الآن التأثير على أنماط التصويت من خلال الإعلانات المستهدفة وتعديل المحتوى، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الأنظمة الاستبدادية اكتشفت أساليب للتدخل في انتخابات دول أخرى باستخدام أدوات رقمية، مما أثار تساؤلات خطيرة حول الأمن القومي والسيادة.
ليس من السهولة ان تتبدد تحديات السيادة الرقمية؛ بل إنها أصبحت معقدة بنحو متزايد ما يتعين على الديمقراطيات أن تتصدى لهذه لقضية المتمثلة في حماية الحقوق الفردية مع الاحتفاظ بقدر كافٍ من السيطرة لمنع تحول المساحات الرقمية إلى أدوات للتلاعب والقمع.
إن هذا المسعى لا يقتصر على مجرد صياغة قوانين أفضل أو تعزيز جدران الحماية؛ فهو يتطلب إعادة التفكير بشكل أساسي في كيفية عمل السلطة في العصر الرقمي.
ونحن نطالب بحوار مستمر بشأن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا في إطار السيادة الوطنية. والحل ليس بسيطا مثل الاختيار بين الحرية الرقمية الكاملة والسيطرة الكاملة للدولة، وبدلاً من ذلك، يتعين علينا إيجاد التوازن الذي يحمي الحقوق الفردية والمصالح الوطنية.
إن مستقبل السيادة الرقمية سيؤثر على كل شيء بدءًا من كيفية تصويتنا وحتى طريقة تفكيرنا، ولن يكون تحقيق ذلك سهلاً، إلا أنه يمثل أحد أهم التحديات في عصرنا الحديث .




