الأديان والحروب ..!
أمين السكافي (لبنان-صيدا) ||

شئنا أم أبينا، فإن الدين يلعب دوراً مهماً في حياة قسم كبير من البشر. قد يكون هذا الدين ديناً إلهياً أُرسل من خلال الرسل، أو قد يكون ديانة وضعية تم اختراعها وتسويقها على يد البشر، ومن الممكن أن تُنسب لاحقاً إلى الإله. هناك العديد والعديد من الأديان، وقد نذكر بعضها ولكن لن نستطيع أن نلم بها كلها. وطبعا هناك المذاهب المتفرعة من الدين الواحد، وكل مذهب يعتقد بصدق عقيدته ويدعو الناس لها حباً بهم وخوفاً من أن لم يلبوا الدعوة فمصيرهم إلى جهنم.
نذكر على سبيل المثال بعض الأديان مثل اليهودية والمسيحية والإسلام والبوذية والسيخية والهندوسية، وهناك الكثيرون غيرهم. هذا طبعاً ونحن لم نقترب من المذاهب، حيث تتشعب الأديان إلى مذاهب تحكمها النزاعات والعداوات. لطالما كانت قناعتي أن الأديان لم تأتِ بالشر للبشر، وأنها جميعاً من المفترض أن تدعو إلى خير الناس ومكارم الأخلاق. فالأخلاق والدين والضمير البشري هم سيان، ولا أظن أن هناك من دين قد يدعو للقتل إلا دفاعاً عن النفس، أو أن يدعو للسرقة أو الزنى أو الكذب أو أي أمر مما قد يفقد الإنسان مروءته.
أما إذا كان هناك دين يحث على الظلم والقتل ويسمح بغيرها من الموبقات، فهذا ليس بدين بل فكرة خطرت لأحدهم وصدقها جزء من الناس. أو إذا كانت ديانة سماوية تدعو لقتل البشر والشجر والحيوان كما في التوراة، فنحن أمام مشكلة كبيرة، فإنه من المستحيل أن يكون هناك دين بهذه الوحشية أو القسوة.
فالطفل، أعزائي، يتشرب الدين الذي وجد والديه ينتميان إليه، وطبعا سيخبراه أنه الدين الحق. ولدى كل دين علماء يستطيعون أن يبرهنوا لهذا الولد أحقية دينهم، ويجعلونه يتعصب لشيء لم يختاره بل خرج من رحم أمه لا يعلم شيئاً. بحسب رأيي، إن الله مسبب الأسباب هو الذي اختار لكل فرد دينه تبعاً لولادته. وقليل من الناس من يبحث عن دين آخر ليعتنقه بعد أن يقتنع به.
شهدت الأرض حروباً كثيرة منذ بدأ الخليقة، منها ما ارتبط بالأديان، ومنها ما له علاقة بشغف الحكام أو التعصب القبلي أو الإثني، أو طمعاً بأراضي جديدة أو ثروات البلاد المجاورة، أو طغيان حاكم وغروره بأن يكون الحاكم لأكبر قدر من الأراضي والناس. بالنسبة للأديان، فقد قامت حروب كثيرة، ولكن هناك مسألة مهمة، ففي أغلب الأحيان استُعمل الدين كأداة لتطويع الفكر البشري بحيث يخدم قضية سياسية باسم الدين.
إذا دخلنا في عمق التاريخ، نجد الكثير من الأمثلة لأقوام قاتلت بعضها البعض باسم الدين، وفي أغلب الأحيان كانت هناك وعود في الجنة، وكأن هناك بشرياً يستطيع أن يعد بالجنة أو النار. حتى في العصور الحديثة، لا يزال الدين عملة رائجة تُستعمل حسب الطلب. فمن الجهاد في أفغانستان ضد الروس إلى معارك الصرب والكروات ضد مسلمي البوسنة، إلى معارك داعش في سوريا والعراق، إلى تمدد إسرائيل الكبرى وما تبعه من انحسارها في فلسطين المحتلة، وصولاً إلى مذابح الكيان في غزة والإبادة لمسلمي بورما.
الغريب، أعزائي، أن الكل يقاتل الكل باسم الدين، وكأن الله أنزل أدياناً لتتقاتل فيما بينها. الإنسان هو من أعجب مخلوقات الله، الذي يحور حتى كلام الله إلى سلاح يستخدمه في حروبه، وكأن الله هو من يدعو للقتل أو الناس للتقاتل، وحاشى لله من هذا. وأصعب أمر في تاريخ الإنسان، تاريخاً وحاضراً، هو تكفير الإنسان للإنسان، وبالتالي إهدار دمه.
فكر التكفير لدى بعض البشر ليس بجديد، بل توجد منه نماذج في الماضي والحاضر. بينما يكفر الإنسان شخصاً أو مجتمعاً ويدعو لهدر دمهم باسم الدين، نجد أن الله يدعو موسى بالذهاب إلى فرعون لأنه طغى، ومن يطلق الوصف على فرعون بالطاغية هو الله، ومع ذلك يكمل جل جلاله: “فقولا له قولا لينا”، عله يتذكر أو يخشى. هنا نرى رحمة الله بعباده حتى الطغاة منهم.
مثال آخر هو عندما دخل الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة فاتحاً، وقف بين المشركين من قريش الذين آذوه وحاربوه، وقال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. الشاهد هنا أن الله ورسله أرادوا الهداية للبشرية والخير للإنسان، وأن الله يفضل للبشر الهداية والكف عن الظلم والموبقات.




