بين البابا وبرهم صالح.!
حمزة مصطفى ||
يكاد يتفق الجميع بمن في ذلك زعماء دول كبرى فضلا عن مرجعيات دينية وفكرية وسياسية على مستوى المنطقة والعالم أن زيارة بابا الفاتيكان, البابا فرنسيس, الى العراق كانت حدثا تاريخيا. ومع كل ما قيل فيها وعنها سواء على مستوى المتابعة الإعلامية والسياسية بدء من لحظة وصول الحبر الأعظم الى بغداد وتجواله في عدد من المحافظات ولقاءاته عالية المستوى ومن بينها اللقاء الذي جمعه في النجف الأشرف مع سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني, فإن هناك الكثير مما يمكن التأسيس عليه للمستقبل. فهذه الزيارة أكدت ولأول مرة إمكانية فتح حوار حقيقي بين الأديان والثقافات بعيدا عن مستويات التنظير التي سبق لعدد من المفكرين الغربيين أن تناولوها ومن أبرزهم صموئيل هنتنغون في إطروحته الضخمة “صدام الحضارات”.
يمكن القول أن خطاب قداسة البابا خلال الحفل الرئاسي في بغداد وأمام جمع من كبار القادة والمسؤولين العراقيين عبر عن أهمية أن يكون هناك حوار حقيقي ومباشر. كما أن خطاب الرئيس الدكتور برهم صالح أمام قداسة البابا وبحضور قادة البلاد جاء منسجما مع الجو العام الذي بات الجميع يحتاجه الآن لفتح هذا الحوار من منطلق التأسيس لحقبة جديدة من التآخي والتفاهم والتعاون في كل الميادين.
ولعل ما عبر عنه البابا بعد عودته الى روما من خلال الرسالة التي وجهها مؤخرا الى رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح يفصح تماما عن الرغبة الأكيدة في أن لاتكون زيارته الى العراق والتي وصفها هو شخصيا في خطابه ببغداد بـ “الحج” و”التوبة” مجرد زيارة بروتوكولية إنما هي زيارة تأسيسية لمرحلة جديدة من العلاقة بين الأديان والثقافات والحضارات. يقول البابا في رسالته “في هذه الأيام التي أمضيتها بينكم شعرت إن الإختلاف الديني والثقافي والعرقي الذي يميز المجتمع العراقي هو عون ثمين لكم وللعالم”. ويضيف قائلا “فالعراق اليوم مدعو الى أن يبين للجميع وخاصة في الشرق الأوسط إنه قادر بالرغم من الإختلافات أن يتعاون في وئام وإنسجام في بناء الحياة المدنية, وفي ترسيخ روابط الأخوة والتضامن في خدمة الخير والسلام وتغذية الأمل في مستقبل أفضل”. ويمضي البابا قائلا”السيد الرئيس أود أن أعبر عن شكري الصادق لكل ماصنعتموه ومازلتم تصنعونه من أجل بناء مجتمع مؤسس على الوحدة الأخوية والتضامن والوئام”.
إذا ربطنا فحوى ما ورد في رسالة البابا الى الرئيس صالح بعد أسابيع من زيارته الى العراق مع خطابه في بغداد ردا على خطاب الرئيس والبيانان الصادران عن عن دولة الفاتيكان والمرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف خلال اللقاء الذي جمع قداسة البابا مع السيد السيستاني مع رسالته الأخيرة التي تناولنا أهم ماورد فيها, فإن هناك رغبة أكيدة في أن نضع ماجرى خلال الزيارة ومابعدها في سياق من التعاون والتفاهم على كل المستويات بحيث يكون العراق بما يملكه من قدرات ومؤهلات موطنا لحوار حقيقي بين الأديان والثقافات. الوقت مازال متاحا لبدء حوار جاد وتأسيسي وأرى أن الرئيس صالح هو الأجدر في أن يتبنى ذلك خلال المرحلة القادمة.




