ارهاصات مجنون.. بغداد وأربيل.. صراع المركز والفيدرالية في ميزان المصالح الإقليمية.. الجزء الثالث..!
د. طالب الشوكة ||

لا يمكن قراءة العلاقة بين بغداد وأربيل بعين أصل الأزمة الداخلية فحسب، بل هي أقرب ما تكون إلى مسرح مفتوح تتقاطع فيه حسابات الإقليم بالداخل العراقي. هذه العلاقة محكومة بتقاطعات ضاغطة ومصالح متداخلة بين ثلاث دول إقليمية ودولية بارزة: تركيا، وإيران، والولايات المتحدة، إضافة إلى ما يعانيه المشهد الكردي نفسه من تصدعات شاقولية.
أنقرة: تنظر إلى أربيل كشريك أمني واقتصادي استراتيجي لضبط ملف “حزب العمال الكردستاني” وتنسيق التجارة والنفط، لكنها في الوقت نفسه تطوق أي نزعة استقلال قد تلهم الكرد على طرف حدودها الآخر. لذا تدعم تركيا استقرار الإقليم شرط أن يبقى تحت سقف الدولة العراقية الموحدة وبشفافية أمنية مع بغداد.
طهران: تحسب الملف من زاوية أمنية بحتة، ترتبط بتأمين حدودها الغربية ضد أي نشاط أحزاب كردية معارضة متمركزة في الجبال. وتستخدم نفوذها وحلفاءها في بغداد للضغط المالي والسياسي على أربيل لمنع أي تمدد مفرط لسلطتها، مع الحرص على ألا تنهار المعادلة الكلية.
واشنطن: ترى في الإقليم حليفاً تاريخياً وثابتاً منذ تسعينيات القرن الماضي. يتركز حراكها على منع الصدام العسكري بين بغداد وأربيل، وضمان التنسيق العسكري في الملف الأمني بين البيشمركة والقوات الاتحادية، وتتدخل دبلوماسياً لفك الاختناقات المال والأزمات كلما بلغت القلوب الحناجر.
من جانب آخر، أضعف الانقسام التاريخي والمناطق الجغرافي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (في أربيل ودهوك) والاتحاد الوطني الكردستاني (في السليمانية وحلبجة) موقف كردستان التفاوضي. ورغم وجود حكومة إقليم موحدة في الظاهر، إلا أن جدار عدم الثقة ما زال قائماً؛ فالبارتي يميل نحو تركيا، بينما يتكئ اليكتي أكثر على إيران.
أدركت بغداد صعوبة التعامل مع كيان كردي موحد وموقفه صلب، فاعتمدت سياسة “التواصل الثنائي والموازي”. أصبحت تفتح خطوطاً مباشرة مع السليمانية لمعالجة قضايا مثل رواتب الموظفين بشرط التوطين والالتزام بقرارات المحكمة الاتحادية، ناهيك عن التنسيق الأمني المنفصل مع قوى الأمن في بعض المناطق المتاخمة. هذا الواقع جعل الحزبين يتنافسان على رضا المركز لضمان الموازنات، مما فتت الموقف الكردي التفاوضي. في العلن، يطالب الخطاب الحكومي والدستوري بضرورة خضوع الجميع لسلطة القانون، والمحكمة الاتحادية، ورقابة ديوان الرقابة المالية. لكن المفارقة الجوهرية تكمن في أن بغداد نفسها لا تُدار بأدوات الدولة البيروقراطية المؤسسية الصارمة، بل بنظام محاصصة وتوافقات سياسية.
وتظهر هذه ازدواجية بوضوح؛ فعندما ترغب بغداد في الضغط على الإقليم، ترفع راية “سيادة القانون والدستور” وتلجأ للقرارات القضائية. ولكن عندما تشتد الحاجة إلى أصوات النواب الكرد لتمرير الحكومة، أو انتخاب رئيس الجمهورية، أو إقرار قانون مفصلي، تتراجع لغة القانون مؤقتاً لتفسح المجال لصفقات الغرف المغلقة والتسويات الحزبية.
تبقى العلاقة بين بغداد وأربيل صراعاً مكشوفاً بين مشروعين: مشروع نظام مركزي يحاول فرض سلطته المالية والأمنية عبر أداة القضاء والمؤسسات الاتحادية، ومشروع فيدرالي كردي يقاتل للتمسك بمكتسباته التاريخية مستفيداً من البراغماتية، وثغرات الانقسام الداخلي، والغطاء الإقليمي والدولي. وفي ظل احتكام بغداد نفسها لمنطق المحاصصة، يظل تطبيق القانون منتقياً، وتظل الصفقات التوافقية هي المسكن المؤقت لكل أزمة متجددة. انتظرونا في الجزء الاخير




