الانتخابات النصفية الأمريكية 2026.. هل بدأت مرحلة أفول نفوذ ترامب وإعادة تشكيل المشهد السياسي الأمريكي؟!
د.محمود الهاشمي ||
رئيس الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين (ممثلية العراق)
4-11-2026

لم تكن الانتخابات النصفية الأمريكية، التي جرت في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مجرد استحقاق انتخابي لتجديد مقاعد الكونغرس، أو اختبار تقليدي لشعبية الحزب الحاكم، بل تحولت، وفق القراءة السياسية لنتائجها، إلى محطة مفصلية تطرح تساؤلات عميقة بشأن مستقبل دونالد ترامب ومشروعه السياسي، وطبيعة التحولات التي تشهدها الولايات المتحدة على المستويات السياسية والاجتماعية والدينية، فضلاً عن تداعياتها على موازين القوى الدولية والإقليمية.
فالنتائج، وما رافقها من تحولات في اتجاهات التصويت، تفتح الباب أمام قراءة تتجاوز حدود المنافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين، لتتناول طبيعة الرسائل التي وجهها الناخب الأمريكي إلى الإدارة الأمريكية، ومدى تأثير ملفات الحرب على إيران، والتصعيد في منطقة الخليج، والحرب على غزة، وأزمة مضيق هرمز، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والخطاب السياسي والهوياتي الذي طبع حملة ترامب الانتخابية.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسئلة الاستراتيجية: هل أخفق ترامب في تحويل المواجهة العسكرية والسياسة الخارجية إلى رصيد انتخابي؟ وهل أسهم خطابه المتشدد في توسيع الفجوة بينه وبين شرائح الشباب والمهاجرين والأقليات؟ وهل تعكس النتائج بداية تحول بنيوي في الهوية السياسية والاجتماعية والدينية لأمريكا، بما يحدّ من هيمنة التيار المحافظ والإنجيلي الأبيض؟
هذه القراءة تحاول تفكيك الرسائل السياسية والاستراتيجية للنتائج، واستشراف انعكاساتها على مستقبل ترامب، والعلاقة مع إيران، وموقع إسرائيل في الحسابات الأمريكية، وصعود القوى الاجتماعية والسياسية الجديدة في الولايات المتحدة
نجملها في نقاط :-
١-حملة ترامب بنيت على فرضيتين خاطئتين:
– الأولى:أن اغتيال الشهيد القائد الخامنئي في شباط فبراير وحصار “جدار الصلب” بـ 24 سفينة سيعطيه صورة “الرئيس المنتصر” قبل الانتخابات.
– الثانية: أن الناخب سينسى غزة وهرمز.
الذي حدث هو العكس. خطابه المتطرف هو الذي أسقط حزبه في مجلس النواب.
في آخر 10 أيام، قال ترامب في تجمع في أوهايو: “أمريكا لن يحكمها أبناء المهاجرين ودعاة حماس في الكونغرس”. هذا الخطاب – حسب استطلاع Edison Research ليلة الانتخابات – دفع 72% من المستقلين و 81% من الشباب (18-29) للتصويت ضده.
الناخب الأمريكي لم يصوت ضد الجمهوريين لأنه يحب الديمقراطيين، بل صوت عقاباً على خطاب الكراهية + فاتورة البنزين 4.8 دولار بسبب إغلاق هرمز من 130 سفينة إلى 15.
ترامب خسر النواب لأنه حول الانتخابات من “اقتصاد” إلى “هوية”، والناخب الجائع لا يصوت بالهوية.
2- ترامب اختار أن يكون ممثلاً للجنس الأبيض.. في دولة المهاجرين
أمريكا ليست دولة بيض. حسب تعداد 2024:
– 41% من الأمريكيين تحت 30 سنة هم ملونون (لاتين، سود، عرب، آسيويون).
– 14% من الناخبين في ميشيغان وبنسلفانيا هم مهاجرون أو أبناء مهاجرين.
ترامب قال: “أمريكا أولاً تعني أمريكا البيضاء الإنجيلية أولاً”. واختار مرشحين على صورته: كلهم بيض، كلهم يرفعون الصليب والسلاح.
النتيجة: أمريكا المهاجرة صفعته.
– فوز 3 مسلمين جدد في مجلس النواب من أصول عربية وجنوب آسيوية.
– فوز 8 لاتينيين تقدميين.
– خسارة 12 مرشحاً جمهورياً أبيض في ضواحي المدن الكبرى كانوا محسوبين فوزهم 100%.
الرسالة: لا يمكن أن تحكم دولة مهاجرين بخطاب عنصري. ترامب لم يمثل أمريكا، مثل جناحاً واحداً منها.
3- تأثير النتائج على الحرب على إيران.. كيف ستنظر طهران ومحورها؟
في طهران، يقرؤون النتيجة هكذا:
١-“ترامب أصبح بطة عرجاء.. وبدأ العد التنازلي لنافذة 4 تشرين الثاني نوفمبر – كانون الثاني 3 يناير”.
٢-العودة الى ادبيات القائد الشهيد الامام الخامنئي بأن ما حدث في غزة من صمت ودعم للعدوان على آلاف الأطفال والمدنيين أسقط القناع عن زيف ادعاءات حقوق الإنسان في الغرب، وأثبت هزيمة ثقافتهم وحضارتهم أخلاقياً
وان حضارة الغرب المزيفة ايلة للانهيار ..
٣-ان الصبر الاستراتيجي للقيادة الايرانية والشعب وراء هزيمة الاستكبار العالمي .
٤-الديمقراطيون فازوا بالنواب، وسيستلمون السلطة في كانون الثاني 3 يناير 2027. أول قانون سيطرحونه هو War Powers Act لمنع ترامب من شن الموجة الثانية بقنابل 22 ألف رطل دون موافقة الكونغرس.
٥-، إيران تعتبر أن من 4 تشرين الثاني نوفمبر إلى 3 كانون الثاني يناير، ترامب سيكون في حالة يأس وقد يضرب ليثبت أنه قوي. لهذا رفعت حالة التأهب وعقيدة “الرد بلا قيود جغرافية” إلى المستوى الأحمر.
٦-بعد كانون الثاني 3 يناير، الحرب ستصبح أصعب على ترامب قانونياً. إيران تراهن على الوقت: اصمد تنتصر .
٧-شعب أمريكا عاقب ترامب لأنه حاصر هرمز وقتل أولاد أمريكا في حرب لا معنى لها (18 قتيل و756 جريح). هذا دليل أن محور المقاومة لم يهزم، بل فرض كلفة على الأمريكي جعلت ناخبه ينقلب على رئيسه”ومازال يرابط في الميدان ومستعد لاي طاريء.
4- النتائج وإعلان التحول في البنية الأساسية لأمريكا سياسياً واجتماعياً ودينياً؟
امريكا أمام تحول بنيوي، وليس فوزاً حزبياً.
سياسياً: انتهى عصر الوسط. الحزبان انقسما إلى يمين متطرف (ترامب) ويسار تقدمي (ساندرز – AOC). لا يوجد وسط بعد اليوم. الكونغرس القادم سيكون أكثر تطرفاً واستقطاباً.
اجتماعيا : أمريكا البيضاء لم تعد أغلبية حاكمة. لأول مرة في التاريخ، عدد المرشحين الملونين والمسلمين واللاتين الفائزين تجاوز 32% من النواب. هذه أمريكا الجديدة.
دينياً: هذا الأخطر. الإنجيليون البيض الذين كانوا القاعدة الصلبة لترامب، انخفض تصويتهم 8% بسبب شباب الكنيسة الذين يقولون: “لا يمكن أن نؤيد إبادة غزة باسم المسيح”. في المقابل، صعد تحالف جديد: مسلمون + يهود تقدميون + مسيحيون سود +، كلهم ضد الحرب. هذا تحالف ديني جديد لم يكن موجوداً قبل غزة.
في النتيجة : أمريكا تتحول من “دولة بروتستانتية بيضاء” إلى “دولة متعددة الأديان والألوان”. ترامب قاوم هذا التحول، فخسر.
5- تأثير النتائج على إسرائيل وAIPAC.. ماذا عن ملايين الدولارات؟*
خسارة مدوية لـ AIPAC رغم المال.
AIPAC صرفت أكثر من 100 مليون دولار في هذه الدورة لدعم 70 مرشحاً جمهورياً وديمقراطياً مؤيداً لإسرائيل وضد وقف النار في غزة.
النتيجة:
– فاز 42 منهم فقط.
– خسر 28، بينهم 9 خسروا أمام مرشحين تقدميين ومسلمين هاجموا إسرائيل علناً.
هذا يعني:-
1. المال لم يعد يشتري الكونغرس كما كان. الناخب الشاب لا يشاهد التلفزيون الذي تشتريه AIPAC، يشاهد تيك توك الذي يرى فيه غزة.
2. داخل الحزب الديمقراطي، أصبح انتقاد إسرائيل ورقة رابحة، وليس خاسرة. هذا تحول تاريخي.
3. نتنياهو الآن في ورطة: كان يراهن على كونغرس جمهوري يمول حربه، فجاءه مجلس نواب ديمقراطي سيطالبه بوقف إطلاق النار وسيحقق في استخدام الأسلحة الأمريكية في غزة.
إسرائيل خسرت المعركة الانتخابية الأمريكية.
6- كيف سيقرأ المسلمون فوز شخصيات مسلمة؟ وكيف سيقرأ السود والملونون فوز رشيدة طليب وإلهان عمر وعبدول وغيرهم؟
هنا يجب أن نفرق بين قراءتين:
أ-المسلم الأمريكي سيقرأ فوز رشيدة طليب (فلسطينية)، إلهان عمر (صومالية)، وعبدول (عراقي/يمني) على أنه:
“لم نعد جالية تدفع الجزية لـ AIPAC لتسكت عنا. أصبحنا قوة تصنع القرار. دخلنا الكونغرس لنوقف تمويل القنبلة التي تقتل أهلنا في غزة، ولنوقف حصار هرمز الذي يجوع أهلنا في إيران والعراق”.
هذا سيعطي دفعة هائلة للمشاركة السياسية للمسلمين في 2028. سيقولون: المقاطعة في 2024 كانت خطأ، المشاركة والترشح هو الحل.
ب- قراءة السود واللاتين والملونين:
السود واللاتينون لا يرون طليب وعمر كـ “مسلمات” فقط، بل كـ “ملونات مثلهن” هزمن مرشحاً أبيض مدعوماً بملايين.
فوزهن هو رسالة: إذا استطاعت لاجئة صومالية محجبة أن تهزم مرشحاً تموله شركات السلاح، فنحن أيضاً نستطيع.
لهذا، تحالف 2026 الجديد هو: أسود + لاتيني + مسلم + شاب أبيض تقدمي. كلهم اجتمعوا ضد “الرجل الأبيض الغني الذي يريد إرسال أولادهم لحرب إيران”.
هذا التحالف هو الذي أسقط شعار ترامب “أمريكا أولاً” وحوله إلى “أمريكا للجميع أولاً”.




