الاثنين - 02 نوفمبر 2026

حينما تدفع اوربا ثمن حماقات أمريكا واسرائيل..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 02 نوفمبر 2026

عادل الجبوري ||

 

CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v90), quality = 75

في أوقات ومراحل سابقة، شهدت فرنسا ودول اوربية أخرى تظاهرات ومسيرات احتجاجية، بعضها حملت مطالب إصلاحية اجتماعية، وبعضها الاخر كان ذي طابع سياسي، يعكس طبيعة الصراع والتنافس بين الاتجاهات السياسية المختلفة، المتوزعة بين اليمين، واليمين المتطرف، والوسط، واليسار. وفي غالب الأحيان لم يسجل على أي مظاهر جماهيرية احتجاجية في اوربا الغربية، انها توسعت وباتت تشكل خطرا على منظومات الحكم وتهدد الاستقرار المجتمعي العام، مثلما يحصل حاليا، سوى ما شهدته بعض دول اوربا الشرقية مطلع القرن الحالي، فيما عرف بـ”الثورات الملونة”، التي اريد من ورائها اسقاط أنظمة حكم استبدادية، او في واقع الامر، كانت قريبة بشكل او باخر من روسيا والصين.
ان تنطلق التظاهرات الاحتجاجية الطلابية من الشارع الفرنسي، لتعبر الحدود سريعا، وتجتاح إيطاليا وبلجيكا وألمانيا والبانيا والبرتغال واسبانيا، وربما تتمدد وتتوسع الى دول اوربية أخرى، وتتخذ طابعا عنفيا غير مسبوق، فهذا مؤشر خطير ونذير شؤم بالنسبة لاوربا وعموم المنظومة السياسية والمجتمعية الغربية، التي بشر عدد من كبار المفكرين والباحثين والساسة الغربيين قبل حوالي ثلاثين عاما، بقرب تحقق الانتصار الكبير لها، بعد مسيرة طويلة من “صراع الحضارات”، الذي نظّر له كثيرا المفكر الأميركي الشهير الراحل صموئيل هنتنغتون، ليصل الى “نهاية التأريخ”، التي تعاطى معها المفكر الياباني الأصل الأميركي الجنسية فرانسيس فوكوياما، وكأنها حتمية لاتقبل الجدل والنقاش، لاسيما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، وانهيار المعسكر الاشتراكي الشرقي، بعد حرب بادرة-تخللتها مراحل ساخنة-مع المعسكر الرأسمالي الغربي، امتدت حوالي أربعة عقود من الزمن.
ظاهر التظاهرات الاحتجاجية الاوربية، انها تتعلق بقضايا اقتصادية وحياتية ضاغطة بقوة، وهذا شيء صحيح الى حد كبير، بيد ان هناك ما هو اعمق واخطر، حتى وان انتهت تلك التظاهرات بطريقة ما. لانه حتى القضايا الاقتصادية والحياتية الضاغطة، لم تأت من فراغ، وانما هناك عوامل وظروف ومواقف وسياسات، ساهمت بإيجادها واستفحالها وتنامي تأثيراتها وتداعياتها.
الحرب الروسية-الأوكرانية، وبعدها الحرب الأميركية-الإيرانية، كان لهما الدور الأكبر في الكشف عن الكثير من نقاط الضعف ومواطن الخلل والهشاشة في المنظومة الاوربية. فبالنسبة للاولى، وجدت اوربا نفسها في وضع لاتحسد عليه، بعد ان دفعتها الولايات المتحدة الأميركية في ظل الرئيس دونالد ترامب الى مواجهة مباشرة غير محسوبة النتائج والعواقب مع روسيا بزعامة فلاديمير بوتين. فقد كانت ملزمة بضخ الأموال الطائلة، ناهيك عن فتح مخازن أسلحتها لاوكرانيا على امل ان تنجح في هزيمة روسيا، او على الأقل كبح جماحها ومنعها من التمدد خارج حدودها، بعد ان كان التوجه والهدف الاستراتيجي الأميركي-الأوربي، يتمثل في التضييق عليها ومحاصرتها من خلال توسيع حلف الناتو.
ولم يمر وقت طويل على اندلاع الحرب بين موسكو وكييف في أواخر شباط-فبراير من عام 2022، حتى اخذت تأثيراتها تلقي بظلالها الاقتصادية الثقيلة على مختلف الدول الاوربية، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الوقود الروسي لتأمين أوضاعها الحياتية، وشيئا فشيئا راح ملايين الناس يشعرون بوطأة الحرب على حياتهم اليومية واحتياجاتهم الأساسية، بعد ان ارتفعت تكاليف المعيشة بمستويات كبيرة جدا.
والملفت ان ترامب الذي كان ينفخ في نيران الحرب في مراحلها الأولى، لم يكن مستعدا لان تتحمل بلاده تكاليفها، بل كان يريد من اوربا ان تتحمل ذلك، اذ انه لم يترك مناسبة او فرصة الا وراح يوجه الانتقادات الحادة واللاذعة للاوربيين بسبب ما كان يعتبره تقاعسا وتلكؤا في اسناد ودعم أوكرانيا، ومواجهة روسيا، علما انه في مراحل لاحقة، وبعد ان شعر ان معطيات هذه الحرب لم تأت كما كان يتمنى، اخذ يتودد لبوتين ويدعمه ويساعده بشكل او باخر لتسريع اعلان النصر على خصمه اللدود زيلنسكي!، تاركا الاوربيين يتخبطون في مشاكلهم وازماتهم التي خلفتها الحرب.
وبالنسبة للحرب الثانية بين ايران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، فقد كان واضحا منذ البداية ان اوربا لم تكن مستعدة للدخول فيها، وهي المنهكة والمضطربة من الحرب الروسية-الأوكرانية. لكنها وان حاولت جاهدة ان تبقى بعيدة ولاتساير واشنطن، وتخضع وتستلم لضغوطات وابتزاز ترامب، الا ان تداعيات الحرب وصلت اليها، واثرت عليها اكثر مما اثرت على الولايات المتحدة نفسها، بعد الارتباك الحاد والخطير في مجمل المشهد الاقتصادي العالمي جراء توقف العديد من مسارات امدادات الطاقة نتيجة لاغلاق مضيق هرمز، والإجراءات العقابية التي فرضتها واشنطن على كل من يتعامل مع طهران ويساهم بمساعدتها في الخروج من دائرة العقوبات والحصار الأميركي.
ولانبالغ اذا قلنا، ان تأثيرات الحرب الإيرانية-الأميركية على اوربا، فاقت تأثيرات الحرب الروسية-الأوكرانية، ولعل تلك التأثيرات هي التي ساهمت الى حد كبير في تفجر الشارع الأوربي، ودفع الأمور نحو المجهول، لاسيما وان أسعار الوقود قد ارتفعت بحوالي 30%، ومعدلات التضخم، والبطالة، واسعار المواد الغذائية، وكلف النقل، ومتطلبات التعليم في المدارس والجامعات، قد ارتفعت بصورة سريعة وصادمة جدا.
ولاشك ان كل ذلك وغيره، يمكن ان يفضي الى انقسامات واحتقانات سياسية حادة بين اتجاهات وقوى لها برامج واولويات مختفة، وربما متقاطعة ومتناقضة في بعض الأحيان، والأخطر ان تتحول الانقسامات والاحتقانات السياسية الحادة الى صدامات مجتمعية في مجتمعات عرفت بتنوعها العرقي والقومي والديني، ذلك التنوع الذي ضبطت ايقاعه لعقود طويلة حالة الازدهار الاقتصادي والرفاهية الحياتية.
قد توشر اسقاطات وتداعيات الحربين على اوربا الى ان الأخيرة، وان بدت موحدة ومنسجمة عبر عناوين سياسية واقتصادية وامنية، مثل الاتحاد الاروبي، والبرلمان الأوربي، ومجلس اوربا، وغيرها، الا انها ليست كذلك، لانها في الواقع مسلوبة الإرادة والقرار الى حد كبير، ومازالت تتحرك وتعيش تحت المظلة الأميركية التي خيمت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال مشروع مارشال، وحلف الناتو، ومشاريع وتحالفات وتكتلات أخرى، جعلتها تدفع ثمن حماقات اميركا-وحتى إسرائيل-اكثر مما تكسب وتربح. والمشهد الأوربي الراهن يثبت في الكثير من تجلياته هذه الحقيقة، التي قد تفضي الى ما هو أسوأ واخطر مما هو حاصل الان.