الاثنين - 02 نوفمبر 2026

يوم السيادة.. العراق بين القطب الغربي والشرقي.. هل تتكرر التجارب الماضية؟!

منذ شهر واحد
الاثنين - 02 نوفمبر 2026

بهاء الدين الغزي ||

 

 

منذ أن بدأ القرن العشرون وأصبح للدولة مفهومها الحقيقي وأخذت طابعا جديدا يعترف بالحدود والجغرافيا المستقلة، وخصوصا بعد انهيار الدولة العثمانية، لم يكن العراق يهنأ بتعامل سياسيا كدولة لها حقوقها الوجودية والإنسانية، فبعد انهيار الدولة العثمانية دخل البريطانيون إلى العراق سنة 1914 وما بعدها، وعانى من وجودهم ما عانى حتى خرجوا سنة 1932 ، وصار هناك يوم استقلال رسمي عن بريطانيا، لكن الفترة التي تلت ذلك كانت من أصعب الفترات على سيادة العراق بسبب أطماع تركيا الحديثة بمحافظتي الموصل وكركوك، وادعائها عائديتها لتركيا ..!
وبعد أن تجاوزها بحكمة عالية وحافظ على تماسك محافظاته وأراضيه، لم تتركه أجهزة المخابرات الدولية، فكانت بصماتها واضحة في خلق سياقات محددة للحكم، فإذا ما خرج عن هذه السياقات اختلقت له من الدواهي ما لا يخطر على بال أحد.
نعم ، أقول ذلك وأنا راصد لكل أحداث العراق من ذلك اليوم إلى يومنا هذا، فعبد الكريم قاسم حين انقلب على حكم الملك وأسس الجمهورية لم يهنأ بذلك، وأتاه البعثيون من حيث لا يحتسب، وانتهت المحافل المخابراتية إلى دعم البعثيين وإسناد الحكم والسلطة إليهم ، فالتقاتل على السلطة بين قاسم ومن جاء بعده وبين البعثيين أنفسهم من عهد عبد السلام عارف وأخيه إلى البكر لم يكن على مستوى الطبقة الأولى من السلطة، بل تسلسل إلى طيقات الحكم الأدنى من وزراء ومدراء ورتب عسكرية وغيرها من أجهزة السلطة، حتى أضحى إقصاء الكوادر البعثية واضحا وتجلى بشكل فاضح في ليلة قاعة الخلد المشهورة..! التي افتتح بها الطاغية صدام عهده الجديد .
ثم لم يهدأ له بال بعد أن استتب له الأمر حتى زج بالبلد بمحرقة الحرب مع الجمهورية الإسلامية في إيران، التي انتهت بأسى مرير نتج عنه أكثر من مليون وأربعمئة ألف بين شهيد وجريح ومفقود .
وقد عاصر جيلي والجيل الذي قبلي ومن قبلنا كل هذه المآسي ، ولست الآن في مقام كشف الوثائق التي تثبت ذلك، لأننا أصبحنا نحن الشواهد الشاخصة على هذا العصر ، فإنني وإلى ليلة البارحة كنت أشاهد اعترافات خاصة جدا لأحد أزلام البعث بأن أجهزة المخابرات الدولية وخصوصا البريطانية والأمريكية هي من جاءت بهم للسلطة وحين نصحوا طاغيتهم الهدام بالانسحاب من الكويت سنة 1990 أخذته العزة بالإثم، لا بل غباؤه في تقدير الأمور، ورفض الإنسحاب وانتهت النتيجة إلى أقسى عقد مأساوي مر به العراق في تاريخه الحديث .
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بجرأة : على مدى سبعة عقود ، وبالضبط من سنة 1932 إلى 2002 ، هل أجرى العراق معاهدات والتزامات مع الدول العظمى وغيرها، تجعله محصنا من الاختراقات المخابراتية وسياسات الدول في التدخل بشؤونه الداخلية ومحاولة الهيمنة عليه أم لا؟ وبصيغة أخرى: هل لجأ العراق خلال العقود الماضية إلى تحالف أو حماية من دولة عظمى لحفظ نظام الحكم فيه؟ كما هو رأي نوري السعيد مثلا؟ فالأخير كانت له رؤيته الخاصة بالعراق وأنه لا يمكن أن يتطور أو يحمى إلا بوجود تحالف أو حماية من دولة عظمى و تشكلت لديه قناعة مفادها أن الحماية الخارجية ضرورية لبقاء نظام الحكم ، لأن العراق ضعيف بمفرده ، والعالم تحكمه القوى الكبرى والبقاء يتطلب مظلة خارجية خصوصاً وأن العراق مُحاط بجيران يتصارعون على النفوذ فيه منذ الاف السنين .
وكان يستند في رأيه هذا إلى عدة أسباب منها :
1- أن العراق دولة جديدة بلا جيش قوي، وبلا اقتصاد متماسك ، مليء بالإنقسامات،
2- البيئة الإقليمية المحيطة :
إيران، تركيا، وأطماع إقليمية أخرى، فكان يخاف من ابتلاع العراق أو تفككه (حسب فهمه) .
3- الجغرافيا : فالعراق دولة في موقع جغرافي لا يسمح لها بالحياد بسهولة.
فأرضه مفتوحة (وهذا يعد ضعفا دفاعيا طبيعيا) لا توجد جبال تحمي ولا حواجز طبيعية قوية لذلك، تاريخياً، سهل الغزو
(فرس، عثمانيين، مغول، إنكليز ، أمريكان…) .
4- يعد العراق ممرا استراتيجيا يربط الشرق بالغرب، ومن يسيطر عليه يسيطر على حركة المنطقة.
ولذلك رأى السعيد أن التحالف مع قوة كبرى هو تعويض لضعف الجغرافيا. لهذا قام بتأسيس حلف بغداد سنة 1955، وضم العراق وبريطانيا وتركيا وإيران وباكستان.
وكان الهدف إنشاء جدار ضد الاتحاد السوفيتي ضمن سياق الحرب الباردة.
لكن هذه التحالفات فشلت شعبياً، فالشعب كان يرى وجود القواعد الأجنبية والارتباط بالغرب ابتعادا عن القضايا العربية ومخالفة للشرع ، ما أدى إلى رفض شعبي واسع واتهام السعيد بالعمالة . وبسبب ذلك فشل الحلف.
ولو لاحظنا ما بين حكم عبد الكريم قاسم وبين نهاية حكم الطاغية صدام فإن هذه السنوات انتهت بلا رقيب ولا حليف ولا نصير وعلى الأصعدة جميعاً ، بدعوى انضمامه لحركة دول عدم الإنحياز .
وإلى اليوم ، وخلال عهد الإحتلال الأمريكي للعراق في بداية القرن الحادي والعشرين وعلى مدى ثلاثة وعشرين سنة، كشفت التجربة أن بقاء العراق تحت هيمنة السياسة الأمريكية سياسيا واقتصاديا وتنمويا كان له آثار سلبية كبيرة، من جهة، وخصوصا الأثر الاقتصادي الذي يتمثل في وضع اليد على المال العراقي وعائدات النفط الخام، وهو ما يعده بعض الباحثين صيانة له من المطالبات الدولية بتسديد الديون الهائلة على العراق بسبب سياسات النظام البعثي البائد الذي كبل اقتصاد البلد بديون مليارية ضخمة، بسبب حروبه العبثية.
واليوم ينقسم العالم إلى جبهتين تبدوان واضحتين، جبهة الغرب وأمريكا وأتباعها من الدول العربية كالسعودية ودول الخليج وسوريا ومصر وغيرها .
وجبهة الشرق المتمثلة بروسيا والصين والجمهورية الإسلامية في إيران وكوريا الشمالية وغيرها، فهل سيبقى العراق على تصوره القديم في تبني عدم الإنحياز إلى جبهة ما، ليعاني ما يعاني، أم سيتوجه إلى جبهة ما ليتخلص من حالة عدم الإنحياز ويركب في سكة إحدى الجبهتين اقتصاديا وسياسيا وتنمويا ؟
هذا ما سنتابعه خلال الأيام المقبلة خاصة وأنها تضع تجربة السيد علي الزيدي، بل العراق الجديد كله على المحك وإثبات قدرته على الوقوف من جديد واعتماده على سياسة جديدة تجعله قويا محصنا من الاختراقات.