هل دخل الشخص إلى السياسة لكي يخدم الدولة، أم أصبح يبحث عن دولة تخدم مصالحه؟!
الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

قراءة نقدية في العلاقة بين السلطة والفساد وانهيار الثقة السياسية { = معظم السياسيين هم الأحقر والأكثر فساداً} / 1
الفساد الكبير في العراق ليس مجرد حادثة استثنائية هامشية، وإنما مشكلة مؤسسية تستوجب آليات مستمرة للتحقيق والملاحقة والمساءلة، فأخطر أنواع الفساد هو الذي يرتدي ملابس القانون
ليس أخطر الفساد ذلك الذي يحدث في الظلام فقط.
ان هذا المقال لا ينطبق على دوله معينه بل ان معظم وغالبيه دول العالم ولاسيما دول الناويه دول العالم الثالث يكون سياسيوها هم الاحقر والاكثر فسادا وهم من يديرون عجله الفساد في تلك الدول ففي احد زياراتي الى الخارج صادف وان جلس معي شخص مثقف يحمل شهادة عليا وايضا يحمل هموم بلده ووطنه وشعبه وبعد التعارف بيننا بدانا نتجاذب اطراف الحديث وبدا يسترسل على ما هو موجود في بلده ودولته وكون هذا الحديث حديث لا يقتصر على فئه او دولة او حزب او مجتمع معين بل هي ظاهرة في الدول وحتى ان بعض الدول المتحضرة والمتقدمة يبدو ان هذا الداء وهذه الحمى بدات تصيبها كما هي مستفحلة في دولنا ، والأخطر أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود الفساد، وإنما في احتمال تحوله من سلوك فردي منحرف إلى نمط مؤسسي تصبح فيه العلاقات السياسية والولاءات والمصالح جزءاً من طريقة توزيع الموارد والفرص والنفوذ
قبل كل شيء أستطيع صياغة هذاالمقال كمقال نقدي نقدي حاد، لكن من الأدق ألا أقرر أن «معظم السياسيين هم الأحقر والأكثر فساداً» كحقيقة مطلقة؛ فهذا تعميم لا يمكن إثباته بهذه الصيغة. لذلك سأجعل العنوان وأتعامل معه بوصفه عنواناً احتجاجياً يعكس غضباً شعبياً، بينما يستند متن المقال إلى وقائع ومؤشرات موثقة عن الفساد السياسي والحوكمة في العراق.
معظم سياسيينا هم الأحقر والأكثر فساداً
قراءة نقدية في العلاقة بين السلطة والفساد وانهيار الثقة السياسية
هناك عبارات لا تولد من فراغ. وعندما يصل المواطن إلى مرحلة يصف فيها جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية بأقسى الأوصاف، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: لماذا أصبح المواطن غاضباً؟ بل: ما الذي جعل الثقة بين المجتمع والسياسة تنهار إلى هذا المستوى؟
إن عبارة «معظم سياسيينا هم الأحقر والأكثر فساداً» ليست حكماً علمياً يمكن تعميمه على كل سياسي، لكنها تعبّر عن شعور احتجاجي واسع تجاه ممارسات سياسية يرى المواطن أنها جعلت السلطة وسيلة للمصلحة الخاصة، وأضعفت قيمة المنصب العام، وربطت الوصول إلى النفوذ السياسي في بعض الحالات بشبكات المصالح والمحسوبية والزبائنية.
والأخطر أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود الفساد، وإنما في احتمال تحوله من سلوك فردي منحرف إلى نمط مؤسسي تصبح فيه العلاقات السياسية والولاءات والمصالح جزءاً من طريقة توزيع الموارد والفرص والنفوذ.
أولاً: عندما تتحول السياسة من خدمة عامة إلى امتياز خاص
في المفهوم الديمقراطي، المنصب السياسي ليس ملكاً لشاغله. إنه تكليف مؤقت مرتبط بالثقة العامة والمساءلة.
لكن الخلل يبدأ عندما ينظر السياسي إلى المنصب باعتباره امتيازاً شخصياً، أو وسيلة لتكوين شبكة من المصالح، أو أداة لضمان النفوذ السياسي والاقتصادي له ولحلفائه.
وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية:
هل دخل الشخص إلى السياسة لكي يخدم الدولة، أم أصبح يبحث عن دولة تخدم مصالحه؟
التمييز بين الأمرين هو جوهر المشكلة.
فالفساد لا يبدأ دائماً باختلاس المال العام. قد يبدأ بتعيين غير مستحق، أو تدخل في مؤسسة مستقلة، أو استخدام النفوذ لتفضيل شخص أو شركة، أو استغلال المعلومات الحكومية، أو حماية مسؤول من المساءلة.
ومع مرور الوقت يمكن أن تتحول هذه الممارسات الصغيرة إلى منظومة متكاملة من تبادل المصالح بين السلطة والمال والنفوذ.
وتشير الأمم المتحدة في تقييماتها الحديثة للعراق إلى أن الفساد ليس مجرد مشكلة جنائية، بل مشكلة حوكمة ترتبط بضعف المؤسسات وآليات المساءلة وتفاوت تطبيق القواعد. �
ثانياً: لماذا يشعر المواطن بأن الفساد أصبح جزءاً من النظام السياسي؟
في العراق، لم تعد قضية الفساد مجرد اتهامات إعلامية متفرقة.
فبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالتعاون مع مجلس القضاء الأعلى، تابع خلال الفترة من آب/أغسطس 2023 إلى تموز/يوليو 2024 … 170 قضية فساد كبرى أمام محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، إضافة إلى 80 حكماً في محاكم أخرى، وشملت القضايا مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى ومبالغ كبيرة وقضايا ذات اهتمام عام.
هذه الأرقام لا تعني أن كل مسؤول سياسي فاسد، ولا تسمح بإطلاق حكم جماعي على الطبقة السياسية كلها.
لكنها تكشف شيئاً آخر أكثر أهمية:
الفساد الكبير في العراق ليس مجرد حادثة استثنائية هامشية، وإنما مشكلة مؤسسية تستوجب آليات مستمرة للتحقيق والملاحقة والمساءلة.
وفي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 حصل العراق على 28 من 100 واحتل المرتبة 136 من أصل 182 دولة وفق منظمة الشفافية الدولية. والمؤشر يقيس تصورات الفساد في القطاع العام، وليس عدد السياسيين الفاسدين ولا يثبت ارتكاب فرد بعينه لجريمة فساد.
وهنا ينبغي أن يكون النقد أكثر دقة:
المشكلة ليست أن «كل السياسيين فاسدون»، وإنما أن بيئة سياسية ومؤسسية تسمح باستمرار الفساد تمثل مشكلة بحد ذاتها.
ثالثاً: أخطر أنواع الفساد هو الذي يرتدي ملابس القانون
ليس أخطر الفساد ذلك الذي يحدث في الظلام فقط.
الأخطر هو الفساد الذي يستطيع أن يجد لنفسه غطاءً قانونياً أو إدارياً أو سياسياً.
عندما تتحول القوانين إلى أدوات انتقائية، أو عندما تصبح المناصب العامة مرتبطة بالولاءات، أو عندما يتم توزيع الفرص وفق العلاقات بدلاً من الكفاءة، فإن الدولة تبدأ بفقدان أهم وظائفها: المساواة أمام القانون.
عندها يشعر المواطن أن هناك مواطنين عاديين يخضعون للقانون، وآخرين يستطيعون استخدام النفوذ السياسي لحماية مصالحهم.
وهذا الشعور أخطر من الخسارة المالية نفسها.
لأن المواطن عندما يفقد ثقته بأن القانون يطبق على الجميع، فإنه يبدأ بفقدان ثقته بالدولة.
ولهذا تؤكد تقارير مكافحة الفساد الحديثة في العراق أهمية ليس فقط إدانة الفاسدين، وإنما استرداد الأموال والأصول العامة. وقد أشار تقرير أممي صدر في يونيو/حزيران 2026 إلى أن استرداد الأموال يمثل عنصراً أساسياً في تحقيق المساءلة واستعادة الثقة العامة، وأن مراجعة البرنامج شملت 482 قضية جنائية و60 دعوى مدنية.
رابعاً: السياسة حين تصبح تجارة بالنفوذ
يمكن أن تكون الانتخابات آلية لتداول السلطة، لكنها تفقد جزءاً من معناها عندما تتحول المنافسة السياسية إلى منافسة على توزيع النفوذ والمنافع.
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة:
السياسي لا يعود محتاجاً إلى إقناع المواطن بقدر حاجته إلى بناء شبكة مصالح تحافظ على موقعه.
وعندما يصبح الولاء السياسي أهم من الكفاءة، تتحول المؤسسات إلى ساحات لتوزيع النفوذ.
وعندما يصبح القرب من صاحب القرار طريقاً أسرع للحصول على الوظيفة أو العقد أو المنصب، فإن المواطن يبدأ بالتكيف مع الفساد بدلاً من مقاومته.
وهذه إحدى أخطر مراحل الانهيار المؤسسي.
فالمجتمع لا يصبح فاسداً لأن جميع أفراده فاسدون، وإنما لأن قواعد اللعبة تكافئ السلوك الفاسد أكثر مما تكافئ السلوك النزيه.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.
خامساً: لماذا يستمر الفساد رغم وجود مؤسسات لمكافحته؟
العراق يمتلك مؤسسات وأجهزة قضائية ورقابية معنية بمكافحة الفساد، كما توجد جهود مستمرة لتطوير القضاء والرقابة واسترداد الأموال.
بل إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أشار في 2025 إلى زيادة الملاحقات القضائية بحق مسؤولين رفيعي المستوى، بما في ذلك نواب ووزراء ومحافظون، وهو ما يعكس وجود تحرك مؤسسي لمواجهة الفساد.
لكن وجود المؤسسات لا يعني تلقائياً نجاحها الكامل.
فالمشكلة الأساسية تكمن في قدرة المؤسسات على العمل باستقلالية واستمرارية، وعلى تطبيق القانون دون انتقائية.



