دفتر الدكتور ضياء.. من مجموعة خط الصد الأول.. تأليف جليل هاشم البكاء..!
جليل هاشم البكاء ||

لم يكن أحد يعرف سر ذلك الدفتر الأسود.
كان صغيراً، لا يزيد حجمه على كف اليد، تآكلت أطرافه من كثرة الاستعمال، وتغير لون غلافه بفعل المطهرات التي التصقت به كل يوم. يخرج مع بداية المناوبة، ويعود إلى جيب المعطف الأبيض مع نهايتها، كأنه جزء من صاحبه.
كان الدكتور ضياء خلف العمري يحمله أينما ذهب.
في ردهات العزل.
في غرفة الاجتماعات.
في مكتب مدير المستشفى.
وفي استراحة لا تستغرق أكثر من دقائق معدودة.
لم يكن يفارقه.
كان بعض زملائه يعتقد أنه دفتر للملاحظات الطبية.
وقال آخرون إنه يسجل فيه أسماء الأدوية الناقصة.
بينما ظن بعض الأطباء الشباب أنه يدوّن البروتوكولات العلاجية التي تتغير كل أسبوع.
لكن الحقيقة كانت أبسط…
وأعظم.
في كل صباح، وقبل أن يبدأ جولته، يقف الدكتور ضياء أمام الباب الزجاجي المؤدي إلى ردهة العزل.
يتنفس ببطء.
يرتدي ملابس الوقاية قطعة بعد أخرى.
القفازات.
الكمامة.
الدرع الواقي.
غطاء الرأس.
ثم ينظر إلى انعكاس صورته على الزجاج.
كان يعرف أنه بمجرد أن يعبر هذا الباب، فإنه يدخل إلى عالم مختلف.
عالم لا مكان فيه للأخطاء.
ولا وقت فيه للتردد.
وربما لا ضمان فيه للعودة سالماً.
داخل الردهة، كانت الحياة تُقاس بأرقام صغيرة.
نسبة الأوكسجين.
عدد الأنفاس.
حرارة الجسد.
لكن الدكتور ضياء كان يرى شيئاً آخر.
كان يرى خلف كل رقم إنساناً.
أماً تنتظر أبناءها.
وأباً يحلم أن يعود إلى بيته.
وشاباً لم يبدأ حياته بعد.
لم يكن ينظر إلى المرضى كحالات سريرية.
بل كحكايات مؤجلة.
وفي نهاية كل يوم، وبعد أن يفرغ من جولاته، يجلس وحده في ركن هادئ.
يخرج ذلك الدفتر.
يفتح الصفحة الأخيرة.
ويبدأ بالكتابة.
ليس اسم المرض.
ولا نوع العلاج.
ولا نتائج الفحوصات.
بل يكتب أسماء الذين تحسنت حالاتهم.
الذين خرجوا من دائرة الخطر.
الذين عادوا إلى الحياة.
كان يكتب الاسم.
ثم يضع إلى جانبه تاريخ ذلك اليوم.
وأحياناً يضيف كلمة واحدة فقط.
ابتسم.
عاد إلى أطفاله.
خرج ماشياً.
رفع يده مودعاً.
دعا لنا.
لم يكن يسجل انتصاراته.
بل انتصارات الحياة.
في أحد الأيام، دخل الدكتور خضير هزبر الأسدي إلى الاستراحة، فوجد الدكتور ضياء منهمكاً في الكتابة.
اقترب منه مبتسماً.
ما الذي تكتبه كل ليلة؟
رفع ضياء رأسه.
ابتسم ابتسامة هادئة.
ثم أغلق الدفتر.
وقال بهدوء:
أكتب الأشياء التي أخاف أن ينساها الزمن.
هز خضير رأسه دون أن يسأل أكثر.
كان يعرف أن بعض الأسرار لا تُقال …
بل تُحفظ.
مرت الأيام.
واشتدت الجائحة.
أصبح عدد الأسرة أقل من عدد المرضى.
وأصبح الأطباء يعرفون أن كل دقيقة قد تصنع الفارق بين الحياة والموت.
وفي إحدى الليالي، جلس الدكتور علي عاجل كريم إلى جانب الدكتور ضياء.
كان التعب قد بلغ منهما مبلغه.
قال علي وهو ينظر إلى الردهة:
هل تتخيل بأننا سننسى هذه الأيام؟
أجاب ضياء وهو يقلب صفحات الدفتر:
لن ننساها…
لكن الذاكرة تخون أحياناً.
أما الورق…
فهو أكثر وفاءً من الذاكرة.
بعد أشهر، التحق الدكتور مهند الهلالي بخط الصد الأول.
لاحظ هو الآخر ذلك الدفتر.
وسأل الدكتور ضياء:
هل هو سجل المرضى؟
ابتسم ضياء.
وقال:
بل سجل الذين انتصروا.
وفي أحد الاجتماعات التي ضمت أعضاء خلية الأزمة، كان الدكتور راجي محسن يناقش معهم توسعة ردهة العزل وإعادة توزيع الملاكات.
انتهى الاجتماع بعد ساعات طويلة.
وبقي الدكتور ضياء وحده في القاعة.
أخرج الدفتر.
وكتب اسماً جديداً.
كان ذلك الاسم لمريض ظل يقاوم أكثر من شهر.
وحين انتهى من الكتابة، أغلق الدفتر برفق.
وكأنه يغلق باب غرفة عاد إليها ساكنها بعد غياب طويل.
بعد انتهاء الموجة الأولى من الوباء، ظن الجميع أن الحرب انتهت.
لكن الدكتور ضياء لم يتوقف عن حمل الدفتر.
كان يقول في نفسه:
قد يعود الوباء…
لكن هؤلاء يجب ألا يغيبوا.
وذات مساء، وبينما كان جليل هاشم البكاء يكتب قصص هذه المجموعة، تذكر في حواره مع الدكتور ضياء عبر الواتساب، بأنه قد ذكر هذا الدفتر …
فلفت انتباهه.
قال له:
أيمكنني أن أعرف حكايته؟
ظل الدكتور ضياء صامتاً لحظات.
ثم فتحه للمرة الأولى أمامه.
لم ير جليل أرقاماً.
ولا تشخيصات.
ولا أوامر علاجية.
رأى أسماء فقط.
عشرات…
بل مئات الأسماء.
وتحت كل اسم تاريخ.
وأحياناً دعاء صغير.
وأحياناً كلمة الحمد لله.
رفع جليل رأسه.
شعر أن عينيه امتلأتا بالدموع.
قال بصوت خافت:
كنت أظن أن التاريخ يُكتب بأسماء القادة.
لكن يبدو أنه يُكتب أيضاً بأسماء الذين عادوا من حافة الموت.
ابتسم الدكتور ضياء.
وأغلق الدفتر.
ثم قال:
كنت أخشى أن يتحول المرضى إلى أرقام في التقارير.
فقررت أن يبقوا بشراً في هذا الدفتر.
بعد سنوات، وبينما كان جليل يكتب مجموعة خط الصد الأول، عاد يتذكر ذلك الدفتر الأسود.
وأدرك أن بعض الكتب لا تُطبع في المطابع.
بل تُكتب في الممرات الباردة للمستشفيات.
بمداد من الصبر.
وحبر من الدموع.
وأن ذلك الدفتر الصغير، الذي كان يختبئ في جيب معطف أبيض، لم يكن مجرد دفتر ملاحظات.
كان وطناً صغيراً…
يحفظ أسماء الذين انتصروا على الموت، ويشهد أن في الناصرية رجالاً آمنوا بأن إنقاذ إنسان واحد يكفي ليجعل يوماً كاملاً جديراً بأن يُعاش.




