جلطات العقول وأزمات العالم.. حين تقود القلوب المريضة الحروب..!
القاضي/ حسين محمد أحمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن ||

{يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}
لقد جعل الله قلب الإنسان مستودعا للإيمان، ومحلا للنية واليقين، ومحطة لصلاح الإنسان واستقامته، أو فساده ودناءته.
وفي الحديث النبوي: “أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ”.
فلله الحمد والمنة، الذي تفضل بإعطاء هذه الأمة على لسان نبيه المنهاج الكامل، لطهارة القلوب وشفائها، فقال سبحانه: {يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ}.
فالكل يعلم أن القلوب تمرض، فتصاب الشرايين فيها بالانسداد والتجلط، ويحتاج المريض إلى التنبه الى ماتؤكده المعارف الطبية عن خطورة أمراض القلب والاوعية الدموية التي تعتبر السبب الأول عالميا للوفاة، حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية التي تقدر الوفاة بما لا يقل عن تسعة عشر مليوناً، معظمها بسبب النوبات القلبية والسكتات الدماغية، كما تؤكد أن جانبا كبيرا من هذه الامراض يمكن الوقاية منها، أو تقليل خطرها بالتغذية السليمة، والنشاط البدني وترك التدخين، وضبط ضغط الدم، والسكر والدهون والوزن.
ونحن نمر بذكرى اليوم العالمي للقلب وهي مناسبة تهدف إلى التذكير بأهمية المحافظة على القلب والوقاية من أمراضه.
وقد اثبتت الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب أن للقلب نظاما عصبيا معقدا ترسل إشارات عصبية وهرمونية إلى الدماغ تؤثر مباشرة على الإدراك واتخاذ القرار.
وهذا ماقد يفسره التوجيه القرآني الدقيق الذي جعل القلب والتدبر وظيفة قلبية ومعنوية ومادية متكاملة، {أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
وهنا يكون من الأمور المستحبة عند الحديث عن صحة القلب في اليوم العالمي للقلب مدخلا بديعًا للجمع بين صحة القلب الجسدية، وصحة القلب المعنوية.
فالإنسان قد يعتني بنظافة ثوبه وحذائه ثم يترك قلبه يتلوث بالحقد والحسد والكذب والنفاق والطمع والغل.
مع أن القرآن قد جعل للقلب شأنا كبيراً، وشخص مايصيب القلوب من أمراض تمس العلم والادراك، وتمس الإرادة والقصد، وخاصة مرض الكفر، إذ ينكر القلب خالقه، ويشرك به غيره فتعطل فيه خاصية التوحيد ومعرفة الله، لقد جاء في القران الكريم في وصف من حاله هكذا، {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً}، ومثله مرض النفاق والريب، فيظهر الإنسان الخير والإيمان بالله، ويبطن الكفر والشر، أو يعيش حالة تردد بين الحق والباطل، {أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا}.
وقريب منه مرض الكبر والعجب الذي أصيب به أبليس ومن تبعه.
ومرض الحسد والبغي والتعالي على الناس {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}.
وفي الحديث: “دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ ؛ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ”.
وجاء في القرآن الحكيم: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}.
ولهذا أمر الله بالاستعاذة من شره، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ…وَ مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ}.
ومنها مرض الجشع والطمع الذي يصيب الكثير من الناس، وكم نشاهد من أطماع الصهيونية والزعماء والملوك في كثير من البلدان الذي ربما اشعلوا الحروب وسفكوا الدماء من أجل ذلك.
ومنها مرض الكذب والخديعة وزيف الباطل واعتياد التزوير في القول والعمل.
وكثير هي أمراض القلوب وإنما نشير الى ماهو أشد خطرا على الإنسان.
فالقرآن الكريم قد بين أنها إذا أهملت أمراض القلوب رآن عليها، والران نقطة سوداء تقع في القلب مع كل ذنب، قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ}.
إن القسوة والغلظة والجفاء وانعدام الرحمة يعطي الدليل على إصابة هذه القلوب بالقسوة، قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. وهنا قد يختم الله على القلب ويطبع عليه فتنغلق منافذ الهداية فيه فلا يدخل الخير إليه ولا يخرج منه الباطل، قال تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ}.
وبعد ذلك قد يحصل الطمس الكلي، فكأن هذه القلوب لا تدرك شيئا كما أخبر الله عمن هكذا حاله بقوله: {وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ}.
إن الشفاء من هذه الامراض لا يتم دون الايمان بالله وما انزل على رسله، والأخذ بما أرشد إليه القرآن.
والعجب أن الطبيب قد يحذر الإنسان من انسداد الشرايين ويضع له علاجا، ولكن القرآن يحذر الانسان من انسداد القلب عن الحق.
واذا كان الطب يحذر من تصلب الشرايين فإن القران يحذر من قسوة القلوب.
فأي فائدة لقلب يسمع ولا ينتفع ويبصر ولا يعتبر.
وإن مما يلفت النظر أن القرآن لم يجعل فقدان العقل مقصورا على فقدان التفكير فحسب، وإنما تحدث عن قوم لديهم قلوب ولكنهم لايستعملونها فيما ينفعهم، وينفع أمتهم ومجتمعهم.
وهنا يظهر الفرق بين وجود القلب وحياته، فقد ينبض القلب في صدر الإنسان ولكنه غافلٌ عن الله بعيدا عن الحق لا يتأثر بالموعظة، ولا يتوق لإقامة العدل، ولا يحزن أو يخاف من الظلم، ولا يفرح بالخير فهو في حكم الميت، وفي موت القلب الهلاك
و يعتبر من أخطر الأمرض التي يصيب القلب، ويفقد الإنسان الإحساس بمرضه.
ومن أخطر هذه الأمراض النفاق؛ لأن ظاهره قد يبدو صالحاً بينما باطنه على خلاف ذلك.
وكم شهدنا من مريض يذهب الى الطبيب، ولم نشاهد من أمرض القلوب المصابون بالكفر والكبر والنفاق والحسد يعرضون أنفسهم على الآيات القرآنية التي فيها شفاء لادوائهم، ومن نصحهم باستخدام علاج الإيمان والقرآن حتى لا يستفحل الداء ويقع العذاب والبلاء أَبَوْا قبول النصيحة،
فنار الحسد والطمع والجشع والكبرياء تبدأ ناراً في القلب قبل أن تمتد آثارها لتحاول نزع نعمة الغير والاستحواذ عليها وزوالها، فيتحول قلبه إلى ساحة صراع مع نعم الله على عباده، فهو لا يتذكر أن نعم الله موزعة بحكمة، وأن فضل الله واسع وكبير إذا سأله أعطاه.
أما المؤمن فهو يلجأ إلى القرآن وإذا داخله شيء من ذلك توسل بالدعاء إلى ربه، { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}.
إنه يدرك أن الله يراه، وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم أن سلامته في سلامة قلبه، {إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
والقلب السليم ليس القلب الخالي من المشاعر، والحب والوفاء، ولا القلب الذي لا يحزن ولا يغضب، وإنما هو القلب الذي سلم من الكفر بالله وباياته ومن أصول الفساد الشرك والنفاق والكبر والحسد والغل والرياء والظلم وخداع الناس، والإصرار على الباطل وعدم مجالسة أهل الهوى، وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السيئ بنافخ الكير”.
ونحن هنا نمر بذكرى اليوم العالمي للقلب الذي جعل الاتحاد العالمي شعار هذا العام (أمراض القلب قد تختبئ على مرأى منا) وهو معنى يفتح بابا عن مرض القلب الظاهر الذي يوصي بفحص ضغط الدم والسكر والكسترول والنشاط البدني، ويؤكد أهمية الغذاء الصحي وترك التدخين وممارسة الرياضة، ولكي تلتقي الحكمة الطبية بالحكمة الإيمانية فإنه لا بد من الايصاء بالإيمان بالله والتذكير بما أرشد إليه القرآن: {يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}، {أَلا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} فإن ذلك مما يشفي القلوب ويهذب النفوس، وهذا ليس مقارنة طبية بين أمراض عضوية وأمراض معنوية فلكل مجال لغة وأدواته، وإنما هي مقارنة تربوية يراد بها تنبيه الإنسان في هذه المناسبة إلى مافيه صلاحه وسلامته، وأن سلامته لا تكتمل إلا بسلامة الجسد كله، فقد يقف الانسان طويلا أمام المرآه يصلح شعره وينظف ثوبه ويمسح حذاءه ويعتني بسيارته وبيته ومظهره، ويقف أمام المختبرات ليتلقى نتائج فحوص ولا يهتم بسلامة قلبه وصحته الكاملة.
ومن العجيب أن يهتم الإنسان بحذائه ولا يهتم بصحة قلبه وشفائه.
وإن كثيراً مما يصيب العالم اليوم من بلاء وشدة وحروب وفتنة لأمراض القلوب بها علاقة مباشرة. والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.{وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}




