من هرمز إلى باب المندب… شرق أوسط جديد للممرات البحرية؟!
د. طالب الشوكة ||

تُعد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية في ما يتعلق بالممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب. ورغم المحاولات المتواصلة من الدول المصدرة للطاقة لإيجاد طرق بديلة، عبر خطوط الأنابيب والموانئ البرية، فإن البحر لا يزال يحتفظ بموقعه المركزي في حركة الطاقة والتجارة العالمية. ويحتفظ مضيق هرمز بأهمية استثنائية؛
فهو من أهم ممرات نقل النفط والغاز في العالم، كما أنه عميق وواسع بما يكفي لاستيعاب أكبر ناقلات النفط. وفي عام 2024 مر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط، أي ما يعادل قرابة خمس استهلاك السوائل النفطية عالمياً، فيما مر عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية،
وكان معظمها من قطر. وتوجد بالفعل محاولات لتقليل الاعتماد على هرمز، أبرزها خط أنابيب شرق-غرب السعودي الذي تصل طاقته الاسمية إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، إضافة إلى خط الإمارات الذي ينقل النفط إلى الفجيرة بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يومياً. لكن هذه البدائل، رغم أهميتها الاستراتيجية، لا تستطيع استيعاب كامل التدفقات التي يمكن أن تمر عبر المضيق. وهنا تكمن أهمية هرمز.
فالممر البحري لا يوفر فقط قدرة هائلة على نقل الطاقة، وإنما يمنح الأسواق مرونة في التعامل مع الكميات والوجهات. أما خطوط الأنابيب فهي مرتبطة بطاقة محددة ونقاط ضخ وتفريغ محددة، وتتطلب استثمارات ضخمة وصيانة مستمرة، كما أن توسيعها يحتاج إلى سنوات وليس إلى قرارات طارئة يمكن تنفيذها أثناء الأزمات. وعلى الرغم من أن النقل عبر الأنابيب قد يكون اقتصادياً وفعالاً في ظروف معينة، فإن النقل البحري يظل الوسيلة الرئيسية لنقل الكميات الهائلة من النفط والغاز بين مناطق الإنتاج والاستهلاك. ولذلك فإن أي اضطراب كبير في هرمز لا يبقى أزمة إقليمية، بل يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة في أسواق الطاقة العالمية، مع انعكاسات على أسعار النفط والشحن والتأمين والتضخم. ولا يعني وجود البدائل البرية أنها غير مهمة؛ على العكس، فقد أثبتت قدرتها على تخفيف جزء من المخاطر. لكن وظيفتها الأساسية هي تقليل الاعتماد على نقطة الاختناق، وليس إلغاء أهمية المضيق نفسه.
باب المندب… الوجه الآخر للاختناق الاستراتيجي
إذا كان هرمز يمثل بصورة أساسية اختناقاً عالمياً للطاقة، فإن باب المندب يمثل اختناقاً أوسع للتجارة والطاقة معاً. فالمضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومن خلاله تصل حركة الملاحة إلى قناة السويس، التي تشكل أحد أهم الطرق البحرية بين آسيا وأوروبا. وعندما تتعرض الملاحة في البحر الأحمر للخطر، فإن البديل الأكثر وضوحاً أمام شركات النقل هو الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. لكنه بديل مكلف؛ إذ يطيل الرحلات ويزيد استهلاك الوقود ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ويضغط على سلاسل الإمداد العالمية. وقد أظهرت أزمة البحر الأحمر هذه الحقيقة بوضوح. فقد بقيت حمولة السفن العابرة لقناة السويس في أوائل 2025أيار- مايو أقل بنحو 70 في المئة من مستويات عام 2023، بينما اضطرت سفن كثيرة إلى اتخاذ طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح. وأكدت الأونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ) أن إعادة توجيه السفن رفعت المسافات التي تقطعها التجارة البحرية بشكل كبير، وزادت التأخير والتكاليف والانبعاثات. وهنا يظهر الاختلاف الجوهري بين هرمز وباب المندب.
هرمز هو عملاق الطاقة، بينما باب المندب هو بوابة التجارة بين الشرق والغرب، مع أهمية كبيرة أيضاً لتدفقات الطاقة. فاضطراب هرمز يهدد مباشرة تدفقات النفط والغاز، بينما يؤدي اضطراب باب المندب إلى إعادة تشكيل مسارات التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا، ويؤثر في الحاويات والنفط والغاز والسلع الاستهلاكية وسلاسل الإمداد العالمية.
ولذلك فإن المخاطر في باب المندب لا تتعلق فقط بإغلاق المضيق بصورة كاملة، بل بمجرد ارتفاع مستوى الخطر إلى درجة تجعل شركات الشحن تعيد حساباتها وتختار طرقاً أطول وأكثر تكلفة.
إن الالتفاف جزئياً على المضائق البحرية باستخدام خطوط الأنابيب البرية يمثل أحد الخيارات التي لجأت إليها دول المنطقة لتقليل المخاطر. لكن هذه البدائل لا تستطيع ببساطة أن تحل محل النقل البحري. فالأنابيب تعمل ضمن طاقات استيعابية محددة، وترتبط بموانئ ومنشآت ضخ وتفريغ محددة. كما أن إنشاء خطوط جديدة أو توسيع خطوط قائمة يتطلب استثمارات كبيرة وسنوات من التخطيط والتنفيذ. أما النقل البري، فيواجه بدوره حدوداً جغرافية وسياسية، لأنه يمر عبر دول متعددة، ويخضع لمتطلبات أمنية وجمركية ورسوم عبور واتفاقات سياسية. لذلك يمكن النظر إلى هذه البدائل باعتبارها وسائد أمان استراتيجية تخفف صدمة الأزمات، لكنها لا توفر التدفق الهائل والمرونة الجغرافية التي يوفرها النقل البحري. وهذا يعني أن استراتيجية المنطقة لا تتجه نحو التخلي عن الممرات البحرية، وإنما نحو تقليل الاعتماد المطلق عليها.
تنظر القوى الكبرى إلى هرمز وباب المندب من زوايا مختلفة، لكن مصالحها تلتقي عند نقطة واحدة: استمرار حركة التجارة والطاقة.
الصين تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة القادمة من الخليج، كما ترتبط تجارتها مع أوروبا وأفريقيا بشبكة واسعة من الطرق البحرية التي يمر جزء مهم منها عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
أما الهند، فتتعامل مع أمن هذه الممرات باعتباره جزءاً أساسياً من أمن الطاقة والتجارة، فضلاً عن ارتباط اقتصادها وشبكاتها التجارية والبشرية بمنطقة الخليج والمحيط الهندي.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فقد أدى ارتفاع إنتاجها من النفط والغاز إلى تقليل اعتمادها المباشر على واردات النفط القادمة عبر هرمز مقارنة بعقود سابقة، لكن ذلك لم يُلغِ مصالحها في أمن الملاحة. فاضطراب ممرات الطاقة والتجارة العالمية يمكن أن يرفع تكاليف الطاقة والشحن ويؤثر في الاقتصاد العالمي وحلفائها وشركائها. وهكذا فإن أهمية هذه الممرات لم تعد مرتبطة فقط بمن يشتري النفط أو يبيعه، وإنما باستقرار النظام التجاري والاقتصادي العالمي بأكمله.
أثبتت التطورات الأخيرة أن تهديد الممرات البحرية لم يعد يحتاج بالضرورة إلى قوة بحرية تقليدية ضخمة.
فالطائرات المسيّرة والصواريخ والأساليب غير المتماثلة يمكن أن ترفع مستوى المخاطر إلى درجة تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها. وهنا تكمن المفارقة:
قد لا تحتاج الجهة المهاجمة إلى إغلاق الممر فعلياً؛ يكفي أحياناً أن تجعل استخدامه أكثر خطورة وكلفة. فإذا ارتفعت مخاطر التأمين، وزادت احتمالات التأخير والهجمات، وأصبحت الرحلة عبر طريق معين أكثر تكلفة من الدوران حول قارة بأكملها، فإن السوق نفسها تبدأ بإعادة توجيه التجارة. وهذا ما ظهر في البحر الأحمر، حيث أدت المخاطر الأمنية إلى إعادة توجيه أعداد كبيرة من السفن بعيداً عن قناة السويس، رغم الكلفة الإضافية للطرق البديلة.
ربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي تشهده تجارة الطاقة والملاحة الدولية. فلسنوات طويلة كان المعيار الأساسي هو اختيار الطريق الأقصر والأقل تكلفة. أما اليوم، فأصبحت الشركات والدول تنظر أيضاً إلى سؤال آخر: ماذا يحدث إذا توقف هذا الطريق؟
ولهذا تتجه دول المنطقة إلى تعزيز خطوط الأنابيب، والموانئ البديلة، والطرق البرية والسككية، وتطوير شبكات لوجستية متعددة، ليس بهدف إلغاء دور البحر، وإنما بهدف امتلاك خيارات إضافية عند حدوث الأزمات. فالمسألة لم تعد مجرد البحث عن أرخص طريق، بل عن أكثر شبكة قادرة على الصمود أمام الصدمات.
وهذا التحول يفرض أيضاً حضوراً أمنياً وعسكرياً أكبر حول الممرات الاستراتيجية، ويجعل بعض هذه المناطق تتحول تدريجياً من مجرد شرايين تجارية إلى ساحات تنافس جيوسياسي بين القوى الكبرى والإقليمية. هل يتشكل شرق أوسط جديد للممرات؟ ربما لا يكون التحول الحقيقي في هرمز أو باب المندب نفسيهما، بل في الطريقة التي ينظر بها العالم إليهما. فالعصر الذي كان يمكن فيه افتراض أن الممر البحري سيبقى آمناً ومفتوحاً بصورة دائمة يبدو أكثر تعقيداً اليوم. لكن ذلك لا يعني نهاية عصر الممرات البحرية. بل يعني الانتقال من الاعتماد على ممر واحد إلى بناء شبكة من البدائل، ومن البحث عن الكفاءة وحدها إلى الجمع بين الكفاءة والمرونة والأمن. ومن هنا، فإن الشرق الأوسط قد لا يكون مقبلاً على جغرافيا جديدة للممرات بقدر ما هو مقبل على إعادة تعريف قيمة الممرات نفسها.
فهرمز سيبقى شرياناً رئيسياً للطاقة، وباب المندب سيبقى بوابة استراتيجية للتجارة بين الشرق والغرب، لكن الدول والشركات ستتعامل معهما بصورة مختلفة. ليس باعتبارهما طرقاً لا بديل عنها، وإنما باعتبارهما عقدتين استراتيجيتين داخل شبكة أكبر من المسارات. وهنا ربما تكمن ملامح شرق أوسط جديد. ليس شرق أوسط بلا مضائق، وإنما شرق أوسط لا يريد أن يضع كل تجارته وطاقته ومستقبله في مضيق واحد.




