السيادة المتآكلة..!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي
باحث في الشأن العراقي وسياسات الهجرة والنزوح

هل فقد العراق سيادته عام 2003 فقط؟ السؤال الأدق: متى بدأ القرار العراقي يفقد استقلاله؟ ومن الذي فتح الباب أول مرة؟
لم يستيقظ العراق صباح 2003 ليجد سيادته قد ضاعت. كان التآكل قد بدأ قبل ذلك بعقود وبلغ ذروته بعد 1991 حين صار البلد محكومًا بسلسلة من القيود الدولية والاتفاقات المفروضة والضغوط الإقليمية. وأخطر ما في هذا المسار أن أغلب حلقاته لم تُفرض على العراق من فراغ. كثير منها كان نتيجة مباشرة لقرارات اتخذها من احتكر القرار الوطني وجعله قرارًا شخصيًا.
بدأت الحكاية مبكرًا. ففي اتفاق الجزائر عام 1975 قبل نظام البعث بخط الثالوك حدًا في شط العرب مقابل وقف الدعم الإيراني للحركة الكردية المسلحة، فبيعت الجغرافيا لتُشترى بها التسوية. ثم مزّق صدام حسين الاتفاق نفسه أمام الشاشات عام 1980 ودخل حربًا استنزفت ثمانية أعوام ما يقارب مليون إنسان وأموال العراق وثروته وتركته مثقلًا بالديون. ولم تنتهِ تلك الحرب بنصر يحفظ الحدود؛ فحين اشتد عليه الخناق في أزمة الكويت عام 1990 عاد وقبل بالاتفاق الذي مزّقه. أي أن الحرب التي رُفع باسم السيادة شعارها انتهت بالتنازل عما قيل إنها خيضت من أجله.
أما السيادة بمعناها الأعمق فهي أن تكون الدولة مؤتمنة على أبنائها قبل أن تكون حارسة لحدودها. وهنا تحديدًا سقط النظام سقوطًا أخلاقيًا سبق كل سقوط سياسي. ففي حملات الأنفال بين عامي 1986 و1989 جرت في شمال العراق عمليات إبادة منظمة طالت القرى الكردية وأُخفي فيها عشرات الآلاف من المدنيين بحسب أدنى التقديرات وأعلاها مئة ألف وأكثر ودُمرت آلاف القرى وسيق أهلها إلى المقابر الجماعية. وفي آذار 1988 قُصفت حلبجة بالسلاح الكيميائي فقضى في يوم واحد آلاف من أهلها معظمهم من النساء والأطفال. لم يكن ذلك عدوانًا خارجيًا على العراق. كان دولةً تستخدم أدواتها ضد جزء من شعبها، فصارت السيادة في تلك اللحظة اسمًا بلا مضمون.
ثم جاء الجنوب. فبعد هزيمة الكويت واندلاع الانتفاضة الشعبانية في آذار 1991 سُحقت المدن الشيعية في البصرة والنجف وكربلاء والناصرية والعمارة بقسوة مفرطة. قُصفت المراقد والأحياء وامتلأت الأرض بالمقابر الجماعية التي ما زال العراقيون يكتشفون بعضها حتى اليوم. وفي السنوات اللاحقة جُفّفت الأهوار عمدًا فدُمرت بيئة عمرها آلاف السنين وشُرّد أهلها وقُتل نمط عيشهم. وقبل ذلك كله كانت حملات التسفير قد انتزعت عراقيين، ومنهم الكرد الفيليون وكثير من الشيعة، من بيوتهم وجنسياتهم وألقت بهم على الحدود. فأي سيادة تلك التي تُسقط الجنسية عن أبناء الوطن وتحاصر مدنه بدباباتها؟
وتتضح المفارقة حين نتذكر أن هذا النظام هو الذي رفع شعار الانتماء إلى الأمة والوطن وجعله عنوان حزبه ومناهجه ومنابره. غير أن الوطن الذي كان يرفع اسمه لم يكن يتسع لكل أبنائه. صار الانتماء ولاءً لشخص وصارت الهوية الوطنية بطاقة تُمنح وتُسحب بحسب الطاعة. وهكذا اغتُصب شعار البعث من مضمونه وأُريق ماء وجه السيادة بيد من ادّعى الدفاع عنها.
وجاءت النتائج سريعة. فقد دفع غزو الكويت عام 1990 وما أعقبه من قرارات مجلس الأمن إلى أخطر انتقاص عرفه العراق في تاريخه الحديث. فُرض الحصار الشامل بالقرار 661 ثم أُجبر العراق على قبول شروط القرار 687 من نزع للسلاح وتعويضات ورقابة دولية. ولم يقبل النظام مقترحات أممية لبيع كميات محدودة من النفط لتلبية الحاجات الإنسانية إلا بعد سنوات من المعاناة، ثم وافق على برنامج «النفط مقابل الغذاء» بعد القرار 986 عام 1995 وبدأت أولى الصادرات في كانون الأول 1996. وفي المدة نفسها كان الجوع يقضم الطبقة الوسطى ويدفع الكفاءات إلى الهجرة.
وفُرضت مناطق حظر الطيران في الشمال والجنوب بعد انتفاضة 1991 وبسبب ما رافقها من قمع وموجات نزوح ولجوء. فخرج جزء من الأجواء العراقية من سيطرة الدولة، وانسحبت الإدارة العراقية من المحافظات الكردية الثلاث خريف 1991 فتشكل واقع سياسي جديد لا يمكن فهمه من دون فهم ما سبقه من إبادة وقمع. وفي مسار موازٍ حسم مجلس الأمن ملف الحدود العراقية الكويتية بالقرار 833 عام 1993 الذي أقر أعمال لجنة الترسيم وأكد نهائية الحدود المحددة. وشهدت التسعينيات توغلات تركية في الشمال بحجة ملاحقة حزب العمال الكردستاني، وتوثق وثائق الأمم المتحدة عام 1997 خروقات جوية وعمليات وصلت إلى عمق نحو عشرين كيلومترًا. ولم تكن بغداد قادرة على الرد لأن دولتها كانت قد فقدت في الشمال أرضها وفي الجنوب ثقة أهلها.
وأما الحصار فلم ينتهِ بانتهائه. فقد ترك آثارًا عميقة في الاقتصاد والتعليم والثقافة والطبقة الوسطى وبنية المجتمع، وأضعف مؤسسات الدولة ووسّع اقتصاد الظل وثقافة البقاء.
لذلك فإن قراءة العراق بعد 2003 لا ينبغي أن تبدأ من 2003 وحده. لقد تآكلت السيادة العراقية على مراحل: من صفقة الجزائر إلى حرب الثماني سنوات، ومن الأنفال وحلبجة إلى قمع الانتفاضة وتجفيف الأهوار، ومن غزو الكويت إلى الحصار والقرارات الدولية والتدخلات الإقليمية. ثم جاء عام 2003 ليفتح فصلًا جديدًا في أزمة كانت قد نضجت قبله بزمن طويل.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من أسقط الدولة العراقية عام 2003؟ بل أيضًا: من أضعفها قبل ذلك؟ وكيف وصل العراق إلى لحظة صار فيها قراره الوطني قابلًا للتأثير من الخارج؟
إن فهم عراق 2026 يتطلب العودة إلى عراق 1991 وربما إلى ما هو أبعد. فالدول لا تفقد سيادتها في يوم واحد. تتآكل سيادتها حين تتراكم عليها الحروب والضغوط والتنازلات والوصايات ويُقمع أبناؤها بدل أن يُحموا، حتى يصبح القرار الوطني أقل استقلالًا من أن يكون قرارًا وطنيًا كاملًا.
hassanalisar@gmail.com




