الخميس - 01 اكتوبر 2026

قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿سورة آل عمران: 142﴾..!

منذ 19 ساعة
الخميس - 01 اكتوبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿سورة آل عمران: 142﴾

جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الآيات التي تحدثت عن معركة أحد والانتكاسة التي مُنِيَ بها المسلمون بسبب معصية الذين أوكل إليهم رسول الله (ص) الدفاع عن ثغرة نفذ منها خالد بن الوليد، وتمكن من أن يغير النتيجة من هزيمة منيَ به المشركون إلى انتصار.

وقد سبقتها آية التمحيص التي كتبنا عنها في المقالة السابقة، والتي ذكرت واحدة من أهم السُّنَن الربانية وهي سُنَّة التمحيص والامتحان والغربلة، وأن الشدائد تكشف ما في النفوس، وتنقي الجماعة المؤمنة، فأما هذه الآية فإنها تمضي في نفس السياق، ولكنها تصحح تصورًا خطيرًا لدى كثير منا، وهو أن مجرد الانتساب إلى الإيمان يكفي للوصول إلى الجنة.

لعل كثيرًا منا يعتقد أن مجرد كونه مؤمنًا، ولو إيمانًا نظريًا، يكفي لدخول الجنة، يعتقد أن من حقه أن تأتيه الجنة دون أن يقدم ولو القليل من التضحيات، أو يصبر ولو قليلًا على متطلبات الالتزام الديني. وهذا تصور خاطئ جدًا، لأن الجَنَّة لا تُنالُ بالأماني بل ينالها الذي يبنيها بالعمل ومجاهدة النفس والأعداء، والصبر على الطاعة، وعلى مكاره الأيام.

إن الفوز بالجنة يخضع للقاعدة الكبرى التي أقام الله حياة الكائنات عليها، قاعدة السعي والعمل: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ﴿39﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ﴿40﴾ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ ﴿سورة النجم: 41﴾. فإذا كان الإنسان لا ينال ما يطلب من دون سعي، كما لا يرتقي إلى الدرجات العلى في دنياه من دون عمل، وعلم، وكفاءة، وصبر، فكيف يتصور أن ينال أعظم مراتب الوجود، وهي الجنة، بلا ثمن؟

إن جميع البشر يرغبون في النجاح، وينفرون من الفشل، ولكن كثيرًا منهم يفشلون، لأنهم لم يبذلوا الجهد الكافي، أو لم يصبروا على المعاناة التي يتطلبها النجاح، كذلك الحال في رغبتهم في أن يكونوا من أهل الجنة، وأن يفوزوا بأعلى المراتب فيها، فالقليل منهم هم الذين يجاهدون كي يفوزوا، ويصبرون كي يرتقوا في درجاتها، ولهذا جاءت الآية لتقول لنا: هناك فرق بين أن تتمنوا الجنة وأن تفوزوا بها وتكونوا من أهلها. فإنها لا تُنال بالأماني، وإنما بالإيمان العملي والصبر على الابتلاءات.

وإذن، تذكر الآية الكريمة شرطين: الجهاد في سبيل الله، والصبر. والجهاد هو كل جهد يبذله الإنسان في سبيل الله، فلا يقتصر الأمر على قتال الأعداء وإن كان من أعظم تجلياته، بل يتجلَّى في مقاومة الظلم، والدفاع عن الحق، والاستقامة على طريق الحق، وبذل المال والوقت والجهد في سُبُل الخير، ومجاهدة النفس، وأن يكون المرء مستعدًا لدفع كلفة ما يؤمن به.

وأما الصبر فلأن الجهاد لا يكون من دون صبر، فالإنسان يحتاج إلى الصبر على بذل الجهد، والصبر على طول الطريق، والصبر على تأخر النتائج، والصبر على مواجهة الإحباط، والصبر على مقاومة ضغوط الأهواء والشهوات، والصبر حين يرى الباطل متقدمًا في الظاهر.

يبقى أمر لا يجوز أن تفوتنا الإشارة إليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ فكيف نفهم هذه العبارة؟ هل تعني أن الله سبحانه لا يعلم من سيجاهد ومن سيصبر حتى يتحقق الجهاد والصبر؟

الجواب بالقطع لا، فعلم الله أزليٌّ سرمديٌّ، يعلم أزلاً من الذي سيجاهد، ومن الذي سيصبر، ومن الذي سينكص على عقبيه، لكن حقائق الناس ومعادنهم يجب أن تظهر لهم ولغيرهم، وأن يتميز الناس بعضهم عن بعض بالعمل. فالشدائد لا تقدِّم لله معرفةً لم تكن عنده، وإنما تكشف للناس أنفسهم وللمجتمع حقيقة ما يحمل كل واحد منهم. فالتمحيص يطهّر الفرد والجماعة وينقيهما، والابتلاء يكشف معادنهما، والجهاد والصبر يثبِّتان المؤمنين على الطريق الواصل إلى الله تعالى.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 30/9/2026 الساعة (05:24)