الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

الجنوب اللبناني: من المقاومة إلى استدعاء الانتداب..!

منذ 17 دقيقة
الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

ميخائيل عوض  / لبنان

 

 

 

ما جرى في سوريا ليس مجرد توترات عابرة… بل مخطط متدرج هذا ما حصل في لبنان قبل اجتياح 1982… السر في إعلان كاتس عن المنطقة الأمنية لعمق 40 كم وزيارة عمان… مهزلة الانتخابات الفلسطينية : تبا لكم… الجنوب اللبناني : من المقاومة إلى استدعاء الانتداب !!
ميخائيل عوض  / لبنان
ما يجري في سوريا ليس عابراً…عودة سوريا إلى أخطر بؤر التوتر… هذا ما حصل في لبنان قبل اجتياح 1982
ما يجري في سوريا، وخصوصاً في محيط دمشق والجنوب السوري في منطقة جديدة عرطوز، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد سلسلة من الحوادث الأمنية المنفصلة، أو توترات اجتماعية عابرة بين عشائر وسكان محليين. فالمشهد، عند جمع حلقاته ووضعها في سياقها السياسي والجغرافي، يوحي بأن سوريا دخلت مجدداً مرحلة شديدة الحساسية، تتحول فيها مناطق واسعة إلى بؤر توتر قابلة للاستثمار الخارجي وإعادة تشكيل خرائط النفوذ.
ومن هنا تبرز أهمية ما جرى في الجديدة وعرطوز والمعضمية وداريا ومحيط المزة، بالتزامن مع التطورات في السويداء ودرعا والجنوب السوري. فالمسألة، ليست في تفاصيل كل حادثة منفردة بقدر ما هي في التزامن، والجغرافيا، والجهات المستفيدة، والمسار الذي يمكن أن تقود إليه هذه الأحداث إذا استمرت وتراكمت.
فالخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الفوضى المحلية إلى واقع أمني دائم، ثم يصبح البحث عن الأمن والحماية مدخلاً إلى تغيير موازين القوى وفرض ترتيبات جديدة على الأرض.

سوريا تعود إلى دائرة التوتر
دخلت سوريا، بحسب هذه القراءة، مرحلة انتقالية شديدة الاضطراب. سقوط منظومة قديمة لا يعني تلقائياً ولادة منظومة جديدة قادرة على إدارة الدولة والمجتمع، وعندما تغيب المؤسسات الفاعلة والقضاء القادر على الفصل في النزاعات والأجهزة التي تستطيع فرض القانون بصورة متماسكة، يصبح المجتمع أكثر عرضة للاحتكاكات المحلية والتوترات الأمنية.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذه التوترات.
السؤال الأهم هو: من يستطيع استثمارها؟ وإلى أي هدف يمكن أن تُدفع؟
هنا تصبح أحداث المناطق المحيطة بدمشق، من الجديدة وعرطوز والمعضمية وداريا وصولاً إلى السويداء ودرعا، أكثر أهمية من كونها مجرد وقائع محلية.
فالجغرافيا نفسها تستحق التوقف.
هذه المناطق تقع في نطاق شديد الحساسية بالنسبة إلى أمن دمشق، كما تتقاطع مع المجال الجغرافي للجنوب السوري والحدود الأردنية والجولان المحتل. ولذلك فإن أي اضطراب مستمر فيها يمكن أن يتحول من مشكلة محلية إلى أزمة أمنية ذات أبعاد إقليمية.
وهنا تحديداً تكمن المقارنة التي نطرحها  مع لبنان في السنوات التي سبقت الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
هل يتكرر سيناريو لبنان قبل 1982 ؟
التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكن بعض آليات إنتاج الأزمات قد تتكرر.
في لبنان خلال السنوات التي سبقت اجتياح 1982، لم يكن الاحتلال الإسرائيلي يبدأ دائماً بالدخول المباشر إلى الأرض. سبقت الاجتياحات مراحل من التوترات الأمنية والاشتباكات والاضطرابات والانقسامات الداخلية، ثم كانت إسرائيل تقدم نفسها بوصفها القوة القادرة على توفير الأمن والحماية.
وهذه النقطة جوهرية في قراءة المشهد السوري.
فالخطر، وفق هذه الرؤية، ليس أن تعلن إسرائيل غداً احتلال مساحة واسعة من سوريا، بل أن تتشكل بيئة أمنية مضطربة تجعل قطاعات من السكان أو القوى المحلية تبحث عن قوة خارجية لحمايتها.
عندها يصبح التدخل الخارجي نتيجة تبدو، ظاهرياً، وكأنها جاءت استجابة لطلب محلي.
وهذا هو السيناريو الأخطر.
فالاحتلال المباشر يحتاج إلى قوة عسكرية وسياسية لتبريره وإدارته، بينما يمكن للنفوذ أن يتوسع أحياناً عبر صيغة مختلفة تماماً: خلق بيئة يصبح فيها التدخل الخارجي مطلوباً أو مقبولاً لدى جزء من السكان باعتباره حلاً للفوضى.

*السر في إعلان كاتس عن المنطقة الأمنية*
في هذه النقطة تأتي أهمية إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن إقامة منطقة أمنية في الجنوب السوري بعمق يصل، وفق ما جرى تداوله في الخطاب السياسي الإسرائيلي، إلى نحو 40 كيلومتراً.
لا ينبغي النظر إلى الإعلان منفصلاً عن التطورات التي سبقته.
فبحسب قراءتنا، جاءت ضربة أبو الظهور ثم تلتها اتصالات وتحركات سياسية، بينها زيارة وزير خارجية سلطة الشرع الى عمان والاجتماعات التي شهدتها العاصمة الأردنية مع مدير الموساد، قبل أن تظهر لاحقاً مواقف وتصريحات تتعلق بالترتيبات الأمنية والسياسية في سوريا والمنطقة.
والمغزى هنا  إثبات أن كل حادثة أُديرت من غرفة عمليات واحدة، و طرح سؤال سياسي أكبر:
هل تتحرك الأحداث باتجاه خلق ظروف موضوعية تسمح بفرض حزام أمني إسرائيلي في الجنوب السوري؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن الحديث عن «40 كيلومتراً» لا يعود مجرد رقم عسكري.
إنه يصبح تصوراً جغرافياً لنطاق نفوذ أمني جديد.
وهنا يمكن فهم سبب أهمية مناطق مثل درعا والسويداء والقنيطرة، وصولاً إلى محيط دمشق، ضمن قراءة أوسع لخريطة الأمن الإقليمي.

*المنطقة الأمنية لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال مباشر*
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في الحلقة.
فالمنطقة الأمنية ليست بالضرورة منطقة تُحتل بالدبابات وتُعلن إسرائيل سيادتها عليها.
هناك نموذج آخر أكثر تعقيداً:
الفوضى _ الخوف _ الانقسام _ طلب الحماية _ التدخل الخارجي ثم  تثبيت النفوذ.
إذا انهارت قدرة الدولة على حماية السكان، وتكررت الاعتداءات، وتصاعدت المخاوف الطائفية أو العشائرية أو المناطقية، فقد يبدأ بعض السكان بالنظر إلى أي قوة قادرة على توفير الأمن باعتبارها خياراً اضطرارياً.
وهنا يصبح التدخل الإسرائيلي ممكناً من دون الحاجة إلى احتلال كامل ومباشر.
قد تدخل إسرائيل بوصفها «حامية»، أو «ضامنة للأمن»، أو طرفاً يمنع طرفاً آخر من الاقتراب، أو قوة تفصل بين مجموعات متنازعة.
لكن النتيجة النهائية قد تكون واحدة:
تحويل النفوذ الأمني المؤقت إلى واقع جيوسياسي دائم.
ومن هنا تأتي خطورة الفوضى.
*من الجنوب السوري إلى محيط دمشق*
المشهد يصبح أكثر إثارة للقلق عندما ننظر إلى الجغرافيا بوصفها وحدة مترابطة.
الجنوب السوري ليس منطقة منفصلة عن دمشق.
والاضطرابات في السويداء ودرعا لا يمكن عزلها بالكامل عن القنيطرة والجولان ومحيط العاصمة.
كما أن المناطق الواقعة جنوب وغرب دمشق، مثل داريا والمعضمية وعرطوز والجديدة، تقع في مساحة استراتيجية حساسة للغاية.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: ماذا حدث في كل بلدة؟
بل لماذا تتزامن هذه الأحداث في هذه المناطق تحديداً؟
وهل نحن أمام سلسلة من الأزمات المحلية التي لا رابط بينها، أم أمام بيئة متوترة يمكن أن يجري استثمارها لاحقاً في إعادة رسم المجال الأمني والسياسي؟
هنا يصبح تركيب «البازل» ضرورياً.

*العشائر بين الواقع الاجتماعي والاستثمار السياسي*
ومن الخطأ، في الوقت نفسه، تصوير المسألة وكأنها حرب بين «أهل دير الزور» و«أهل دمشق».
فالسوريون في النهاية شعب واحد، ودير الزور ودمشق وحلب وحمص وحماة ودرعا والسويداء والرقة وسائر المناطق مكونات جغرافية واجتماعية لدولة واحدة.
ومن الطبيعي أن ينتقل السوريون بين المحافظات، وأن يسكنوا ويتملكوا ويعملوا في أي منطقة تسمح بها القوانين.
المشكلة تبدأ عندما تتحول حركة السكان أو التوترات الاجتماعية إلى أداة لإنتاج صراع مناطقي أو ديموغرافي.
فالقول إن أبناء منطقة معينة «يغزون» منطقة أخرى يمكن أن يصبح بحد ذاته أداة لإشعال النزاع.
وبالتالي، فإن المسؤولية الأساسية تقع على المؤسسات والدولة القادرة على تطبيق القانون وضمان الحقوق، لا على السكان الذين يجدون أنفسهم وسط أزمة لم يصنعوها وهذا ليس ما تصنعه السلطة الانتقالية بل هي جاءت أصلا لترسخ واقع الانقسام والاضطراب والكراهية تمهيدا لاستدعاء الإسرائيلي والتركي والأمريكي.

*الدور التركي: شريك أم وسيط؟*
في هذه القراءة، لا يمكن تجاهل العامل التركي فالعشائر هي الكود السري الذي تحركه تركيا كلما فشل ما يسمى الأمن العام في تحقيق المخطط. وتركيا تمتلك نفوذاً واسعاً على عدد من القوى والفصائل السورية، كما أن علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة تجعل دورها جزءاً من المعادلة الإقليمية الأوسع.
وهنا نطرح فكرة شديدة الحساسية:
أنقرة ليست بالضرورة في مواجهة المشروع الإسرائيلي، بل يمكن أن تصبح شريكاً في بعض ترتيباته، ولو اختلفت مصالح الطرفين في ملفات أخرى.
المسألة، وفق هذه الرؤية، ليست أن تركيا وإسرائيل متطابقتان في كل شيء.
بل إن لكل منهما مشروعه ومصالحه.
لكن يمكن أن تتقاطع المصالح في مرحلة معينة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإعادة توزيع النفوذ في سوريا والعراق والمنطقة.
ولهذا فإن السؤال ليس: «هل تركيا مع إسرائيل أم ضدها؟»
بل أين تتقاطع المصالح التركية والإسرائيلية والأمريكية، وأين تختلف؟
وهذا أكثر دقة من الشعارات المبسطة.

*سلطة انتقالية بلا مؤسسات… بيئة مثالية للفوضى*
هناك عامل داخلي لا يقل أهمية عن العامل الخارجي.
فأي مرحلة انتقالية بعد انهيار نظام سياسي تحتاج إلى بناء مؤسسات جديدة قادرة على إدارة الدولة.
أما عندما تسقط المؤسسات القديمة قبل أن تنضج مؤسسات جديدة، فإن الفراغ يصبح هو الحاكم.
غياب القضاء الفاعل يعني أن المواطن قد يلجأ إلى القوة لاستعادة حقه.
غياب الأمن الموحد يعني تعدد مراكز القوة.
غياب الإدارة المتماسكة يعني تفاقم الفقر والبطالة والتفاوت بين المناطق.
ومع تراجع الثقة بالدولة، تصبح كل حادثة صغيرة قابلة للتحول إلى أزمة كبيرة.
وهكذا لا تحتاج الفوضى دائماً إلى من يصنعها من الصفر.
أحياناً يكفي وجود فراغ مؤسساتي لكي تبدأ هي بإنتاج نفسها.
لكن الخطر الأكبر يكمن في أن القوى الخارجية تستطيع لاحقاً استثمار هذه الفوضى وتوجيهها بما يخدم مصالحها.
*السويداء: العامل الذي يصعب احتواؤه*
وفي المقابل، فإن الرهان على أن كل المناطق ستقبل بالترتيبات الجديدة ليس مضموناً.
فالسويداء، وفق القراءة المطروحة، تمتلك خصوصية اجتماعية وسياسية تجعل فرض أي مشروع خارجي عليها أمراً بالغ الصعوبة.
وكذلك فإن المجتمع السوري، بمختلف مكوناته، ليس مجرد مجموعات سكانية قابلة لإعادة التشكيل بسهولة.
هناك تاريخ اجتماعي، وذاكرة وطنية، وشبكات عائلية ودينية واقتصادية، ومصالح متداخلة.
وهذه العناصر يمكن أن تشكل عقبات أمام أي مشروع لتفكيك الجغرافيا السورية إلى مناطق نفوذ منفصلة.
لذلك لا يكفي أن ترسم القوى الخارجية الخرائط على الورق.
السؤال الحقيقي هو:
من سيحمل هذه الخرائط على الأرض؟
*من أبو الظهور إلى عمان… تركيب المشهد*
في قراءة الأحداث، تصبح ضربة أبو الظهور محطة مهمة لأنها جاءت في سياق إقليمي شديد الحساسية، وتلتها اتصالات وتحركات سياسية.
ومن هنا تبرز عمان كإحدى نقاط التقاطع الإقليمية.
الأردن يقع على تماس مباشر مع الجنوب السوري، ويرتبط أمنه بالحدود السورية والإسرائيلية والفلسطينية، ولذلك فإن أي ترتيبات أمنية في الجنوب السوري لا يمكن أن تكون بمعزل عن عمان.
وهنا يأتي الحديث عن الاجتماعات والاتصالات الإسرائيلية والأمريكية والتركية والسورية في سياق البحث عن ترتيبات جديدة للجنوب.
إذا كانت إسرائيل تريد حزاماً أمنياً، وتركيا تريد تثبيت نفوذها، والولايات المتحدة تريد ترتيباً إقليمياً يحمي حلفاءها، فإن سوريا تصبح ساحة تقاطع لهذه المصالح.
وهنا تحديداً تصبح الفوضى الداخلية ذات قيمة استراتيجية بالنسبة إلى الخارج.

*فلسطين: لماذا تتحول الانتخابات إلى مهزلة؟*
وفي الملف الفلسطيني ننتقل إلى مواجهة مختلفة تماماً.
ففي الوقت الذي تتعرض فيه غزة والضفة الغربية لتدمير وقتل وتهجير، وتواجه القضية الفلسطينية مشروعاً لتصفية وجودها السياسي والجغرافي، ينشغل جزء من النخب والفصائل بالانتخابات والمقاعد والترشيحات.
والسؤال الذي يطرحه الخطاب هنا شديد القسوة:
انتخابات لمن؟ وأين؟ ولأي مشروع؟
فالانتخابات في الظروف الطبيعية يمكن أن تكون أداة لتجديد الشرعية السياسية.
لكن عندما يكون الشعب تحت الاحتلال، والأرض تتعرض للتدمير، والتهجير مستمراً، والمستوطنات تتوسع، يصبح من المشروع التساؤل عن وظيفة الانتخابات نفسها.
هل هي وسيلة لإعادة بناء الوحدة الوطنية؟
أم أنها تتحول إلى آلية لإنتاج شرعية شكلية في لحظة يجري فيها تفكيك القضية على الأرض؟

*غزة والضفة والمخيمات… أين المشروع الوطني؟*
المشكلة، وفق هذه الرؤية، أن أي انتخابات فلسطينية حقيقية لا يمكن أن تكون مجرد منافسة بين قوائم وأسماء.
الانتخابات ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع سياسي وطني شامل.
فأين غزة من هذه العملية؟
وأين الضفة؟
وأين المخيمات؟
وأين القوى الاجتماعية التي دفعت الثمن الأكبر؟
وأين المقاومة؟
إذا كانت القضية الفلسطينية تمر بمرحلة وجودية، فإن الأولوية ينبغي أن تكون، في هذا التصور، إعادة توحيد الشعب والفصائل حول مشروع يحمي الأرض والوجود والحقوق الفلسطينية، لا تحويل الصراع إلى منافسة على المناصب.
وهنا تأتي العبارة الأكثر قسوة في الخطاب:
> في زمن تصفية القضية، لا يمكن أن تكون الأولوية للمقعد قبل القضية.

*الجنوب اللبناني: من المقاومة إلى استدعاء الانتداب؟*
أما لبنان، فيدخل في المشهد من بوابة الجنوب.
فالمشروع الإسرائيلي في الجنوب، وفق  قراءتنا ، لا يقتصر على السيطرة العسكرية على نقاط أو مناطق محددة، بل يرتبط بمحاولة إنهاك البيئة الجنوبية وتدمير مقومات الحياة فيها ودفع السكان إلى الهجرة أو النزوح.
وهنا يبرز خطر آخر:
استدعاء قوات دولية تحت عنوان حماية الجنوب أو تأمين الاستقرار، بما قد يحول الجنوب تدريجياً إلى منطقة ذات إدارة أمنية دولية.
المشكلة ليست في وجود قوات دولية بحد ذاته، بل في طبيعة المهمة والتفويض والجهة التي تحدد وظيفتها السياسية والأمنية.
فإذا أصبحت المهمة حماية إسرائيل ومصالحها، أو منع لبنان من ممارسة حقه في مقاومة الاحتلال، فإن المسألة تتحول من ترتيبات حفظ سلام إلى شكل جديد من أشكال الوصاية.
ومن هنا يأتي تعبير «الانتداب».
ليس بالضرورة بمعنى عودة الانتداب القديم حرفياً، وإنما بمعنى إدارة  القرار السيادي اللبناني بواسطة قوى خارجية تحت غطاء دولي وعبر أدوات سلطة منتدبة لتدمير لبنان كل لبنان.

*الخطر الحقيقي: تحويل الجنوب إلى منطقة وظيفية*
الجنوب اللبناني، في هذه القراءة، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد أرض متنازع عليها.
إنه منطقة ذات أهمية جغرافية واقتصادية وأمنية، ويمكن أن يصبح جزءاً من حزام إقليمي يمتد من الجولان وسوريا إلى الحدود اللبنانية.
وهنا يصبح الهدف، وفق هذا التحليل، ليس فقط إبعاد المقاومة، وإنما إعادة صياغة وظيفة الجنوب نفسه.
منطقة أمنية.
ثم منطقة منزوعة السلاح.
ثم منطقة تحت رقابة دولية.
ثم منطقة اقتصادية مرتبطة بالترتيبات الإقليمية.
وفي أسوأ السيناريوهات، يمكن أن تتحول هذه المراحل إلى مقدمة لتغيير ديموغرافي واستيطاني طويل الأمد.
هذه ليست نتيجة حتمية، لكنها واحدة من السيناريوهات التي يجب مناقشتها بجدية إذا استمرت مسارات التهجير والتدمير والضغط الأمني.
*لا تستسهلوا ما يجري*
الخلاصة التي نريد الوصول إليها أن ما يجري في سوريا لا ينبغي الاستهانة به.
فليس المطلوب القول إن كل حادث أمني هو مؤامرة.
ولا أن كل خلاف اجتماعي يجري التخطيط له في الخارج.
لكن المطلوب هو شيء أكثر عقلانية:
مراقبة التزامن، ودراسة الجغرافيا، ومعرفة المستفيد، وربط الأحداث المتفرقة ببعضها عندما توجد مؤشرات موضوعية على الترابط.
فالمؤامرات لا تنجح بمجرد التخطيط لها.
والمشاريع الجيوسياسية لا تنتصر بمجرد رسمها على الخرائط.
نجاحها يحتاج إلى بيئة داخلية قابلة للاختراق، وقوى محلية تحمل المشروع أو تخدمه، وفراغ سياسي وأمني يسمح بتحويل النفوذ الخارجي إلى واقع على الأرض.
وهنا تقع المسؤولية السورية واللبنانية والفلسطينية.

*المعركة ليست فقط على الأرض… بل على طريقة التفكير*
في نهاية المطاف، فإن القضية التي نطرحها  تتجاوز سوريا وفلسطين ولبنان.
إنها قضية تحديث طريقة التفكير السياسي.
فالمطلوب ألا يكون المواطن أسير الشعارات، ولا أن يكتفي بمتابعة الأحداث كأخبار منفصلة.
ضربة هنا.
اشتباك هناك.
تصريح إسرائيلي.
زيارة إلى عمان.
تحرك تركي.
انتخابات فلسطينية.
دعوة لقوات دولية في لبنان.
كل واحدة منها تبدو خبراً منفرداً.
لكن عندما توضع على الطاولة معاً، تبدأ صورة أكبر بالظهور.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً هو:
هل نحن أمام أحداث متفرقة، أم أمام مرحلة إعادة تشكيل للمنطقة تبدأ بالفوضى وتنتهي بخرائط جديدة للنفوذ؟
في سوريا، قد يكون الاختبار هو قدرة المجتمع الشامي الأصيل على النهوض والمواجهة ومنع الفوضى من التحول إلى ذريعة لحزام أمني إسرائيلي.
وفي فلسطين، الاختبار هو منع الانتخابات من أن تتحول إلى بديل عن الوحدة والمقاومة وحماية القضية.
وفي لبنان، الاختبار هو منع الجنوب من التحول إلى مساحة تُدار خارج القرار الوطني تحت عناوين دولية.
أما الخطر الأكبر، فهو أن يصبح التدخل الخارجي حلاً مطلوباً بعد أن تصبح الفوضى أكبر من قدرة الداخل على احتوائها.
وهنا تحديداً تكمن العبرة من لبنان قبل 1982:
فالاحتلال لا يبدأ دائماً عندما تدخل الدبابات. بل يبدأ عندما يصبح الناس مقتنعين بأن لا أحد يستطيع حمايتهم إلا القوة القادمة من الخارج.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري في سوريا، وفي الجديدة وعرطوز والمعضمية وداريا ومحيط دمشق، وفي الجنوب السوري، يستحق المتابعة لا باعتباره خبراً أمنياً عابراً، بل باعتباره مؤشراً على صراع أوسع حول مستقبل سوريا والمنطقة.
🖊 ميخائيل عوض