شهيد يشيعه شهيد.. سيف الدين علي عباس السوداني..!
انتصار الماهود ||

انقاذ الابرياء والحفاظ على حياتهم ليس بالامر الهين، وليس الجميع يمتلكون الشجاعة لمواجهة خطر الموت من اجل حماية الاخرين.
هناك رجالا يسيرون بخطوات ثابتة بين النار والرصاص، دفاعا عن غرباء لا تجمعهم بهم سوى رابطة الوطن، تلك الرابطة التي يرونها اسمى من كل صلة.
من يقول ان الوطن اغلى من العقيدة، ويدعو الى الغاء العقيدة، ربما لا يعلم ان رجال العقيدة كانوا في مقدمة من حملوا السلاح ودافعوا عن الوطن، حين تركه الاحتلال والارهاب في مواجهة مصيره.
فمن الاحق بان نناديه باسم الوطني؟ من ادار ظهره للوطن، ام اولئك العقائديون الذين انبروا للدفاع عن ارضهم وعرضهم واهلهم؟
ومن هؤلاء الرجال كان الشهيد سيف الدين
ولد الشهيد السعيد سيف الدين علي عباس السوداني في مدينة العمارة عام 1978، وكان احد ابناء عائلة مكونة من 4 اشقاء وشقيقتين، وهو أكبر افرادها. تربى في مدينة العمارة، تلك المدينة التي غلب على مجتمعها الطابع العشائري العربي الاصيل، ذو الامتداد التاريخي في منطقة الاهوار وجنوب شرق العراق، والتي عرفت كذلك بالتنوع والتعايش السلمي.
مدينة اشتهر اهلها بالكرم والشهامة، وبالثقافة وحب الارض والتمسك بالعادات والتقاليد الاصيلة، وهو ما انعكس على شخصية سيف وصقل ملامحها منذ طفولته. عرفت عنه الشجاعة والقوة والجرأة، وهي صفات رافقته في مراحل حياته المختلفة.
في مرحلة المراهقة انتقل سيف الى بغداد، وسكن في حي القاهرة بالقرب من منزل اجداده. وهناك اكمل دراسته المتوسطة في مدارس بغداد، قبل ان يلتحق بوزارة الداخلية ويعمل منتسبا فيها. تزوج سيف ورزقه الله بولد وبنت، علي ومريم، ليكون لهما أباً محباً وحامياً.
بعد عام 2003 دخل العراق مرحلة صعبة ومضطربة، بين محاولة تأسيس نظام سياسي جديد والتخلص من مخلفات البعث وافكاره الهدامة، بالتزامن مع الاحتلال الامريكي الذي لم تكن سنواته الاولى خالية من الاضطراب الامني والسياسي.
وزادت الاوضاع تعقيداً بعد قرار بريمر حل الجيش العراقي واعادة تشكيل القوات الامنية، لتبدأ المسؤولية الامنية من تحت الصفر. وفي ظل ذلك تصاعد نشاط التنظيمات الارهابية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة في العراق، الذي سعى الى اشعال الفتنة الطائفية، فسقط الالاف من ابناء الوطن ضحايا للعنف والارهاب.
في عام 2005 انضم سيف الى صفوف المقاومة الاسلامية في عصائب اهل الحق، ليجمع بين عمله الامني ودوره المقاوم. شارك في عمليات ضد قوات الاحتلال والتنظيمات التكفيرية، كما اسهم في انقاذ حياة عدد من الابرياء في مناطق (صليخ والاعظمية)، التي كانت تعاني من تهديد الجماعات الارهابية التي عاثت فيها قتلا ودماراً.
وفي ال2 من شهر تموز عام 2007، خاض سيف مع مجموعة من رجال المقاومة مواجهة شرسة مع قوات الاحتلال في منطقة بغداد الجديدة ، لتكون تلك المواجهة خاتمة حياته، ويرتقي إثرها شهيداً.
لكن قصة سيف لم تنته باستشهاده، بل بدأت فصول اخرى من الوفاء له. فبعد وصول جثمانه الطاهر لأحد المستشفيات في بغداد قامت القوات الامريكية باحتجاز الجسد الشريف من أجل اعتقال عدد من الرجال الذين كانوا برفقته
كان المشهد مؤلما؛ فالمقاومون الذين واجهوا الارهاب والاحتلال وجدوا انفسهم في مرمى الملاحقة، فيما بقيت الجماعات التكفيرية التي قتلت العراقيين تهدد امن المدن وحياة اهلها.
ولم يمر احتجاز جثمان الشهيد سيف مرور الكرام، خصوصا على الشهيد الحاج القائد مهدي الكناني، الذي خاطر بحياته من اجل استعادة جثمان رفيق دربه. ارتدى زي الاطباء، ودخل الى المستشفى، وتمكن امام الجميع من اخراج جثمان الشهيد سيف ونقله الى مستشفى اخر، استعدادا لتشييعه واستقباله بما يليق بشهيد وبطل.
هكذا كان سيف في حياته مدافعا عن الابرياء، وفي رحيله وجد من يحمل امانة الوفاء له. شهيد ارتقى دفاعا عن الوطن، وشهيد اخر خاطر بحياته ليحفظ كرامة جثمانه ويعيده الى اهله ورفاقه.
فسلام على شهيد شيعه شهيد،
سلام على رجال لم يتركوا بعد رحيلهم سوى طيب الاثر.




