الأحد - 16 اغسطس 2026
الأحد - 16 اغسطس 2026

الشيخ أكبر علي الشحماني

 

 

 

مقدمة
لم يظهر الطاغية في التاريخ من فراغ، كما أن الاستبداد لا ينشأ دائماً بقرار فرد واحد، بل قد يكون نتيجة تفاعل معقد بين الحاكم والمجتمع والمؤسسات والظروف السياسية والاقتصادية والثقافية. ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل الشعوب تصنع الطواغيت، أم أن الطواغيت هم الذين يصنعون شعوباً خائفة وخاضعة؟

إن الإجابة ليست مطلقة؛ فقد يكون المجتمع شريكاً في نشوء الاستبداد عندما يقبل الظلم أو يصمت عنه، وفي الوقت نفسه قد يفرض الحاكم الاستبدادي الخوف والقمع بحيث يصبح رفضه بالغ الصعوبة.

أولاً: كيف يمكن للمجتمع أن يسهم في صناعة الطغيان؟
تبدأ المشكلة أحياناً عندما تتحول طاعة الفرد للحاكم من احترامٍ للقانون والدولة إلى تقديسٍ للشخص. وعندما يصبح الحاكم فوق النقد والمساءلة، وتُفسَّر كل معارضة له على أنها خيانة، يبدأ الطريق نحو الاستبداد.

كما أن الخوف المستمر من التغيير قد يدفع بعض الناس إلى تفضيل الحاكم القوي، حتى لو كان ظالماً، بحجة أن الاستقرار أهم من الحرية. ومع مرور الوقت يمكن أن يتحول هذا القبول إلى ثقافة اجتماعية تجعل الاستبداد يبدو أمراً طبيعياً.

كذلك فإن انتشار اللامبالاة السياسية، وضعف المؤسسات، وغياب الوعي بالحقوق والواجبات، كلها عوامل قد تمنح المستبد مساحة أكبر للتحكم بالمجتمع.

ثانياً: هل يتحمل الشعب وحده مسؤولية ظهور الطاغية؟
من الخطأ تحميل الشعوب المسؤولية كاملة. فالحاكم المستبد يستطيع استخدام أجهزة الدولة والقوة والقوانين والإعلام لإضعاف المعارضة وتقييد الحريات.

وفي بعض الحالات يبدأ الحاكم بوعد الناس بالأمن والاستقرار، ثم يوسع صلاحياته تدريجياً، ويضعف المؤسسات الرقابية، ويقيد حرية التعبير، حتى يصبح من الصعب على المجتمع محاسبته.
لذلك فإن الطغيان ليس مجرد نتيجة لـ«شعب ضعيف»، وإنما قد يكون نتيجة اختلال ميزان القوة بين الحاكم والمجتمع والمؤسسات.

ثالثاً: عندما يتحول الخوف إلى وسيلة للحكم
من أخطر أدوات الطغيان صناعة الخوف. فالمجتمع الذي يخشى فقدان الوظيفة أو الاعتقال أو العقوبة أو الإقصاء قد يختار الصمت حتى عندما يرى الظلم.

ومع استمرار الخوف، يتغير سلوك الناس؛ فيصبح الفرد حذراً في كلامه، ويتجنب الاعتراض، وقد يبدأ بالدفاع عن النظام لا اقتناعاً به، وإنما خوفاً من عواقب معارضته.

وهنا يصبح الطاغية أقوى ليس فقط بسبب قوته الشخصية، وإنما بسبب تفكك قدرة المجتمع على الاعتراض الجماعي.
رابعاً: دور الإعلام والتعليم
الإعلام والتعليم عنصران أساسيان في مواجهة الاستبداد أو تكريسه. فالإعلام الذي يحول الحاكم إلى شخصية لا تُخطئ، ويمنع النقد، ويقدم صورة واحدة للحقيقة، يساعد في صناعة بيئة سياسية مغلقة.
أما التعليم الذي ينمي التفكير النقدي، ويعرّف الإنسان بحقوقه ومسؤولياته، فيساعد على بناء مواطن قادر على التمييز بين الدولة والشخص، وبين احترام القانون وتقديس الحاكم.

خامساً: كيف يمنع المجتمع صناعة الطاغية؟
لا يكون ذلك بالعنف والفوضى، وإنما ببناء مؤسسات قوية ومستقلة، وترسيخ سيادة القانون، وحماية حرية التعبير، وتشجيع المشاركة السياسية، وضمان تداول السلطة ومحاسبة المسؤولين.
فالدولة القوية ليست الدولة التي يخاف فيها المواطن من الحاكم، وإنما الدولة التي يكون فيها الحاكم نفسه خاضعاً للقانون.

الخلاصة
يمكن القول إن الشعوب لا «تصنع الطواغيت» وحدها، لكنها قد توفر لهم البيئة المناسبة عندما يسود الخوف والصمت واللامبالاة وتضعف المؤسسات. وفي المقابل يستطيع الطغاة صناعة مجتمع خائف من خلال القمع والسيطرة على مؤسسات الدولة والإعلام.

لذلك فإن مواجهة الطغيان تبدأ من بناء وعيٍ يرفض تقديس الأشخاص، ويؤمن بأن السلطة مسؤولية وليست امتيازاً، وأن الدولة تبقى أقوى من الأفراد عندما تكون مؤسساتها قائمة على القانون والمساءلة.

فالطاغية لا يصبح خطيراً عندما يمتلك القوة فقط، بل عندما تتحول القوة إلى سلطة بلا رقابة، ويصبح الصمت أمامها أمراً طبيعياً.