الأحد - 16 اغسطس 2026
منذ 5 ساعات
الأحد - 16 اغسطس 2026

 رياض الفرطوسي ||

 

 

لا شيء يستنزف روح الإنسان ويقضم سنوات عمره شيئاً فشيئاً مثل مثلث صامت أضلاعه:( الخوف، والأمل العاجز، والانتظار). الخوف مثل كرة الثلج؛ يتضخم كلما تركته يتدحرج في الظلام، والسبيل الوحيد لإيقافه هو أن تقف وتواجهه بشجاعة. أما الأمل، فليس معجزة ننتظر هبوطها من السماء، بل هو عمل واعي وسعي حقيقي؛ حتى الفشل في طريق السعي هو كسبٌ لنفوسنا، لأننا نتعلم منه ونعيد بناء أنفسنا من جديد.

المأساة الكبرى ليست في قسوة الواقع، بل في (الأمل الساذج)؛ ذلك التفاؤل الزائف الذي سخر منه الفيلسوف فولتير وسماه انفصالاً عن الحقيقة، ووصفه المفكر ألبير كامو بـ (عبثية الهروب). هذا الأمل المعطل يلقي بالإنسان في مطحنة داخلية تنهك النفس والجسد، وهو نوع من الموت البطيء ومحاولة غير واعية للهروب من الواقع عبر الدوران في سراب لا ينتهي. ومع الوقت، يتحول هذا الانتظار إلى عادة مكررة، ولذة خفية في تعذيب الذات، أو رمي هذا العجز على الآخرين من خلف أقنعة مستعارة. إنه مخدر أشد خطورة من السموم؛ لأنه يصبح مع الوقت مبدأً وطريقة حياة.

إن أفضل طريقة للتعامل مع الانتظار هي أن تقتحم الحصن بنفسك وتكسر قيوده. حين تفعل ذلك، تتذوق طعم الحرية الحقيقية التي تجعلك سيد مصيرك وصانع حياتك. لكن هذه الخطوة تتطلب أمراً واحداً: الوضوح المطلق مع الذات. فلا يمكنك إصلاح حياتك بنظام نفسي عاطل، ولا يمكنك التواصل مع روحك الحقيقية من خلف وجه مزيف؛ الأمر يشبه من يطلب رقماً خاطئاً وينتظر الرد! فالروح الأصيلة ترفض التواصل مع الزيف، وقوانين الحياة لا تقبل الخداع.

إن الروح التي تخوض هذه المعركة الصادقة تشبه الفولاذ؛ لا يكتسب صلابته إلا حين يمر بلهيب النار وضربات المطارق، وكما يقول المثل القديم: (لا تصنع البحّارَ الماهرَ المياهُ الهادئة). وهذه الرؤية تتخلق في وجدان كاتب يعيش بعقله تجربة المغترب في برودة هولندا، بينما ينبض قلبه ويتحرك يومياً في أزقة بغداد المثقلة بالحياة والصدمات؛ حيث تلتقي عزلة الفكر مع حرارة الشارع لتصنع وعياً حاداً يقطع كالمقصلة.

إن هذا الوعي الحاد هو الخيار الوحيد الشجاع؛ إنه يجرّدك من الوهم المريح، ويضعك أمام المرآة بلا مساحيق، ويجبرك على خوض معركتك بشجاعة. وتذكر دائماً: صفعة واحدة من حقيقة جافة تُعيدك إلى صلب الحياة، خيرٌ من ألف أملٍ ساذج يغزل لك كفناً ناعماً ويوهمك أنك على قيد الحياة!