الأحد - 16 اغسطس 2026

أزمة السكن في العراق.. هل تُكسر قاعدة «وعود البدايات»؟!

منذ 6 ساعات
الأحد - 16 اغسطس 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

منذ سنوات، ترسخت قاعدة غير مكتوبة في العراق: كل رئيس مجلس وزراء جديد يصل إلى المنصب، يضع أزمة السكن ضمن أولوياته، ويعلن مشروعاً كبيراً يحمل عنواناً جذاباً: توزيع أراضٍ، بناء مجمعات، قروض سكنية أو منصات إلكترونية، لكن المواطن العراقي، الذي سمع الكثير من الوعود ولم يرَ دائماً نتائجها، أصبح أكثر تشكيكاً من أي وقت مضى.

في عهد رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني طُرحت مشاريع ومبادرات سكنية وعقارية، لكن المشكلة بقيت أكبر من قدرة هذه المبادرات على إحتوائها؛ وفي عهد رئيس مجلس الوزراء الأسبق السيد مصطفى الكاظمي، برزت مبادرة «داري» بوصفها محاولة لتوزيع الأراضي إلكترونياً، وكانت لها مراحل واضحة للتقديم والتدقيق وإعلان المستفيدين والتسليم.

فالعراق ما زال يواجه عجزاً كبيراً في الوحدات السكنية، مع إستمرار إرتفاع أسعار العقارات وضعف القدرة الشرائية والتمويلية للمواطن.

اليوم يأتي رئيس مجلس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي بمشروع أكثر طموحاً: مليون قطعة أرض سكنية، مع توجيه بإطلاق الإجراءات التنفيذية إعتباراً من الأول من أيلول المقبل في المحافظات التي إستكملت تخصيص مواقع الأراضي، وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام مشروع مُختلف فعلاً، أم أمام نسخة جديدة من وعود البدايات التي أعتاد عليها العراقيون؟

برأيي، لا يمكن الحكم على المشروع بالفشل مسبقاً، كما لا يمكن إعتباره نجاحاً لمجرد إطلاقه؛ الإختبار الحقيقي يبدأ يوم تتحول المليون قطعة من أرقام وقرارات إلى أراضٍ مخدومة وسندات تصل فعلاً إلى المواطنين المستحقين، والفرق بين الزيدي ومن سبقه، إن أراد أن يثبت أن مشروعه مختلف، يجب أن يكون في آلية التنفيذ لا في حجم الإعلان، فالمواطن لا يحتاج فقط إلى قطعة أرض؛ يحتاج إلى قطعة قابلة للبناء، تصلها الكهرباء والماء والطرق والخدمات، ويستطيع الحصول على تمويل لبناء مسكنه عليها.

وهنا تكمن نقطة الضعف التي يمكن أن تُفشل المشروع: إذا وزعت الدولة الأراضي في مناطق بعيدة من دون بنية تحتية وتمويل وخدمات، فقد يتحول المشروع إلى مجرد إرتفاع جديد في أسعار الأراضي، بدلاً من أن يكون حلاً لأزمة السكن.

لذلك فإن نجاح الزيدي لا يقاس بعدد القطع التي يعلن توزيعها، وإنما بعدد العوائل التي تسلمت أرضاً مخدومة واستطاعت فعلاً أن تبني بيتاً عليها.

المواطن العراقي اليوم لا يريد شعاراً جديداً، ولا منصة جديدة، ولا مؤتمراً صحفياً جديداً؛ هو يريد أن يرى شيئاً ملموساً.

ولهذا فإن مشروع المليون قطعة قد يكون أهم إختبار إجتماعي لحكومة الزيدي؛ فإذا نجح في تحويله من قرار حكومي إلى واقع سكني، فسيكون قد كسر قاعدة «وعود البدايات»؛ أما إذا بقي في دائرة الإعلان واللجان والمنصات والتأجيل، فسوف ينضم ببساطة إلى قائمة طويلة من المشاريع التي بدأت كبيرة وإنتهت صغيرة.

أنا لا أرى أن المشروع محكوم عليه بالفشل، لكن نجاحه يحتاج إلى إرادة سياسية مستمرة، وتمويلاً، وأراضي مخدومة، وآلية شفافة للتوزيع، ورقابة تمنع المتاجرة والفساد؛ وإذا أمتلك الزيدي هذه العناصر، فهناك فرصة حقيقية لأن يكون مشروع المليون قطعة مختلفاً عن سابقاته، أما إذا أمتلك العنوان فقط، فسيكون المواطن محقاً في شكوكه.

العراقي لم يعد يريد أن يسمع: سنحل أزمة السكن؛ بل يريد أن يسمع شيئاً واحداً فقط:
متى أستلم مفتاح بيتي؟

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع