الأحد - 05 يوليو 2026

قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿18﴾..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 05 يوليو 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿18﴾ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿الأحزاب: 19﴾.

إن الله يعلم المعوِّقين الذين يسعون بالتخذيل في صفوف المؤمنين، ويدعون الناهضين إلى جهاد العدو دفاعًا عن دينهم وأعراضهم وأموالهم وطنهم، يدعونهم إلى القعود عن الخروج، لا يريدون أن يخرجوا للدفاع عن الوطن، ولا أن يخرج غيرهم، فيزيِّنون لهم القعود والخنوع، وقبول الأمر الواقع، والاستسلام، رغبةً في الحياة حتى ولو كانت حياة بهيمية غايتها القصوى الأكل والشرب والنوم والاستمتاع، هؤلاء يعلمهم الله، ويعلمهم المؤمنون، فهم مكشوفون، ومكرهم مكشوف، ونفاقهم لا يمكنهم إخفاؤه طويلًا، وخوفهم يظهر على وجوههم في أول جولة من الحرب، وتواطؤهم مع الأعداء تُظهره سماتُهم وفلتات ألسنتهم.

هؤلاء هم المنافقون ومن على شاكلتهم من مرضى القلوب، الذين لا يكتفون بالقعود، بل يعوِّقون غيرهم، يقدمون التعويق والتثبيط بلسان الناصحين المشفقين الذين يريدون الخير للناس، ويكرهون لهم العناء والمشقة والقتل والدمار، ولكنهم كاذبون مخادعون، الأمر الذي يوجب على المؤمنين عدم الاستماع إليهم،

لأن موقفهم يصب في مصلحة العدو أرادوا ذلك أم لم يريدوا، فلا نفع فيهم، ولا مصلحة في الرهان عليهم بشيء، فإنهم حتى لو خرجوا إلى الحرب مع المؤمنين لأوضعوا خلالهم يبغونهم الفتنة، وأضعفوا رأيهم، ونفثوا سمومهم بينهم، يخوضون الحرب بنفوس مريضة، وقلوب واجفة، وأبصار زائغة، وإذا بدأت الحرب، واحتدم القتال، انخلعت قلوبهم من صدورهم من شدة الخوف، ودارت أعينهم من الرعب كالذي يشرف على الموت، حتى ليراهم الناظر إليهم بصورة تثير في نفسه السُّخرية،

أما إذا توقفت الحرب، وذهب الخوف، فتراهم يخرجون من جحورهم، ويطلقون العنان لألسنتهم فتقول في المؤمنين كل بهتان من القول وخبيث من الكلام، فالمنافقون أحَدُّ الناس أَلْسِنَةً، وأكثرهم قولًا، وأقلّهم فعلًا، بعد انقضاء الشدائد تتحول عندهم المعركة إلى كلام، فيصبحون خبراء في النقد، شجعانًا في الاتهام، يوزِّعون التهم يمينًا وشمالًا، ويحصون الأخطاء، ويصورون كل تضحية على أنها حماقة، وكل مقاومة على أنها تهوُّر، وكل إنجاز على أنه مصادفة، فإذا انتصر المؤمنون نسبوا النصر إلى غيرهم، وإذا أصابتهم شدة جعلوها دليلًا على بطلان طريقهم، فلا يكاد لسان أحدهم يعرف الإنصاف أبدًا.

وهم أشحة على المؤمنين، يضنون عليهم بأي جهد يبذلونه في سبيل النصر وكسب المعركة، بخلاء يمسكون أيديهم عن أي معونة ولو قلَّت، مالًا كانت، أو عملًا، أو مساندة نفسية، أو مساندة إعلامية، أَشِحّة عليهم في كل شيء. إنهم أسخياء في الثرثرة واللغو والباطل من الحديث، على حين أنهم أشحّاء على الخير قولًا وعملًا، فلا ينطقون بقولة حق يقولونها، ولا ينطقون بكلمة خير.

إن التعويق الذي تحدثت عنه الآية الكريمة ليس مقصورًا على تثبيط عزائم المجاهدين، وتنفيرهم من جهاد العدو، بل هو سنَّة من سنن النفاق تتخذ في كل عصر صورة تناسبه، فحيث تكون معركة الأمة عسكرية يكون التعويق بالدعوة إلى الاستسلام، وحيث تكون معركتها فكرية يكون التعويق بإشاعة الشكوك والشبهات، وحيث تكون معركتها اقتصادية يكون التعويق بتثبيط الهمم عن العمل والإنتاج، وحيث تكون معركتها إعلامية يكون التعويق بتضخيم قوة العدو، والإكثار من الحديث عن إمكانياته وقدراته، والتقليل من هول جرائمه، وتضخيم خسائر المؤمنين، والبحث عن أخطائهم وهفواتهم، والاستهانة بقوتهم، وجعل الهزيمة أمرًا محتومًا، والنصر حلمًا مستحيلًا، وبثِّ اليأس في النفوس، حتى لا يبقى في القلوب أمل بالنصر، ولا ثقة بوعد الله.

ومن أخطر ما يميز المعوِّقين أنهم من أبناء الأمة لا من خارجها، يتكلمون بلغتها، ويرفعون شعاراتها، ويتزينون بلباس الحرص عليها، ولذلك كان خطرهم أعظم من خطر العدو الظاهر، لأن العدو الظاهر يدفع الناس إلى الحذر والاستعداد، أما هؤلاء فيخدعونهم باسم الحكمة، أو الواقعية، أو المحافظة على الأرواح، أو تجنب الخسائر، حتى إذا استجاب لهم الناس انتهوا بهم إلى أعظم الخسائر، إذ لا خسارة أعظم من ضياع الحق، واستسلام الأمة لعدوها، وفقدانها إرادة المقاومة.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأحد الواقع في: 5/7/2026 الساعة (04:00)