الأحد - 21 يونيو 2026
منذ 5 ساعات
الأحد - 21 يونيو 2026

زيد الحسن ||

 

 

في بلاد العجائب المالية لم تعد النار عدوا للمال بل صارت وسيلة لإخفاء الحرج عنه خمسة ملايين دولار احترقت وكأنها كومة أوراق يابسة في حديقة منزلية بينما المواطن ما زال يحسب ثمن ربطة الخبز بالدينار والربع دينار .

حين سمع العراقيون بخبر احتراق خمسة ملايين دولار على يد زوجة وشقيقة عدنان الجميلي لم يصدمهم الحريق بقدر ما أدهشهم أن المال ما زال موجودا أصلا ليحترق ، ففي العراق اعتدنا أن تختفي المليارات بلا دخان ولا رماد ولا حتى رائحة احتراق ، ثم يخرج علينا المسؤولون بوجوه مطمئنة ليخبرونا أن الأمور تحت السيطرة .

قبل سنوات ضاع سبعة ملايين دولار داخل أحد البنوك ، وكأنها قطرة ماء سقطت في نهر دجلة ، مرت القصة بهدوء عجيب حتى ظن الناس أن المبلغ كان مجرد إشاعة أو خطأ مطبعيا في جريدة قديمة ، لم نسمع عن محاسبة حقيقية ولا عن رؤوس تدحرجت ولا عن أبواب سجون فتحت بل سمعنا الصمت فقط وهو يؤدي واجبه الرسمي على أكمل وجه .

وفي كل مرة تظهر قصة من هذا النوع يخرج علينا بعضهم باحثا عن الموظف الصغير أو العامل البسيط أو الحارس الليلي أو سائق العجلة ، لكن السؤال الذي يهرب منه الجميع هو من يملك مفاتيح الخزانة فعلا ، فالسارق الحقيقي لا يكون عادة ذلك الذي يحمل الكيس بل ذلك الذي يملك المفتاح ويقرر متى تفتح الأبواب ومتى تغلق ومتى تختفي السجلات ومتى تنام الكاميرات ومتى تصاب الحقيقة بفقدان الذاكرة .

هؤلاء الذين تتصدر أسماؤهم الأخبار ليسوا سوى عمال في ورشة كبيرة جدا ، ورشة تعمل منذ سنوات طويلة تحت إدارة محترفين يعرفون كيف تتحول السرقة إلى خطأ إداري، وكيف يتحول الاختلاس إلى سوء فهم ، وكيف تتحول الفضيحة إلى خبر منسي بعد يومين .

أما إذا أردنا الحديث عن المحاسبة الحقيقية فعلينا أن نتوقف عن مطاردة الظلال وننظر إلى صاحب الشمس ، فالرأس الكبير معروف للجميع ولا يحتاج إلى لجنة تحقيق كي يتم التعرف عليه ، المشكلة ليست في معرفة الاسم بل في الجرأة على النطق به .

العراق ليس فقيرا حتى تحترق فيه خمسة ملايين دولار ، أو تغرق فيه سبعة ملايين أخرى أو تتبخر فيه مليارات كاملة، العراق غني جدا لكن ثروته تعاني من مرض مزمن اسمه اختفاء المسؤولية ، وكلما اختفى الحساب ظهر لص جديد وكلما غابت العدالة ارتفعت أرباح الفساد .

السبب الحقيقي لكل هذه الحكايات ليس النار ولا السرقة ولا ضياع الأموال ، السبب هو غياب العقاب ، فعندما يطمئن الفاسد أن أحدا لن يسأله يصبح المال العام مجرد غنيمة مفتوحة ، وحين يغيب العقاب تتحول الخزائن إلى أبواب دوارة يدخل منها المال ولا يعود .