بين فلسفة الشهادة ومنطق البقاء.. لماذا تفشل القوة أحياناً في إخضاع الشعوب؟!
كاظم الطائي _Nor ||

منذ أن عرف الإنسان السلطة، عرفت السلطة وسيلتها الأكثر فاعلية: الخوف. فالإمبراطوريات لم تُبنَ على السلاح وحده، بل على اقتناع الناس بأن مقاومة القوة أمرٌ عبثي، وأن كلفة الاعتراض أعلى من كلفة الخضوع. ولذلك لم يكن الهدف الحقيقي لأي تهديد عبر التاريخ هو الحرب نفسها، بل صناعة الخوف الذي يسبقها.
غير أن التاريخ يقدم لنا ظاهرة استثنائية أربكت دائماً حسابات القوة، وهي ظاهرة الإنسان الذي لا يتخذ من البقاء غايته العليا. فالسلطة تستطيع التأثير في الإنسان الذي يخشى الخسارة، لكنها تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها عندما تواجه إنساناً يرى أن هناك قيماً تستحق التضحية أكثر من استحقاق الحياة نفسها.
ومن هنا يمكن فهم السر الفلسفي في خلود ثورة الإمام الحسين عليه السلام.
فكربلاء لم تكن مواجهة عسكرية بالمعنى التقليدي، لأن نتائجها العسكرية كانت محسومة قبل أن تبدأ. لكنها كانت مواجهة بين رؤيتين للوجود الإنساني: رؤية تجعل البقاء هو القيمة العليا، ورؤية تجعل الكرامة هي القيمة العليا. ومنذ تلك اللحظة لم تعد كربلاء حدثاً تاريخياً، بل تحولت إلى مدرسة في إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والخوف.
لقد أراد الإمام الحسين عليه السلام أن ينقل الإنسان من مرحلة الخوف على الحياة إلى مرحلة المسؤولية تجاه الحياة. فالإنسان لا يُقاس بطول عمره، وإنما يُقاس بمقدار ما يدافع عنه من قيم ومبادئ. ومن هنا جاءت عظمة النهضة الحسينية، لأنها أعادت تعريف مفهوم الانتصار نفسه؛ فالانتصار ليس دائماً أن تبقى حياً، بل أن تبقى متمسكاً بالحقيقة حتى وإن دفعت الثمن كاملاً.
ولهذا فإن تأثير الإمام الحسين عليه السلام لم يكن محصوراً في أتباعه أو في بيئته التاريخية، بل تجاوز ذلك ليصبح نموذجاً فكرياً لفهم كيفية تشكل المجتمعات المقاومة للهيمنة. فالأمم لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو ترسانتها العسكرية، وإنما تُقاس أيضاً بمقدار استعدادها لدفع ثمن استقلال قرارها.
وهنا يحضر نهج الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بوصفه الأساس الفكري والأخلاقي لهذه المدرسة. فالإمام علي عليه السلام لم يؤسس لمفهوم السلطة بوصفها غاية، بل بوصفها مسؤولية أخلاقية. ولم يجعل القوة وسيلةً للهيمنة، بل وسيلةً لحماية العدالة. ولهذا بقيت كلماته ومواقفه حاضرة في وجدان الأحرار عبر القرون، لأنها خاطبت الإنسان قبل أن تخاطب الحاكم، وخاطبت الضمير قبل أن تخاطب المصالح.
وعندما ننظر إلى المشهد المعاصر نجد أن كثيراً من التحليلات السياسية تقع في خطأ جوهري؛ إذ تفترض أن الإنسان في كل مكان يستجيب للتهديد بالطريقة نفسها. بينما يكشف الواقع أن المجتمعات التي تشكلت ذاكرتها الجمعية حول مفاهيم التضحية والشهادة والصبر لا تتعامل مع التهديد كما تتعامل معه المجتمعات التي تأسست على فلسفة الرفاه والخوف من الخسارة.
وهنا تظهر المفارقة الجديرة بالتأمل.
فالقوة عادةً تفترض أن الطرف المهدَّد هو الذي يجب أن يخاف، لكن ماذا يحدث عندما يتحول الخوف إلى الطرف الذي أطلق التهديد نفسه؟
وماذا يحدث عندما تكتشف القوة أن خصمها لا ينظر إلى الحياة بالمقاييس التي وضعت على أساسها خطط الردع؟
إن مشكلة القوة المادية أنها غالباً ما تُجيد حساب عدد الصواريخ والطائرات، لكنها تعجز عن قياس أثر العقيدة في الوعي الجمعي. فهي تعرف كيف تحسب الخسائر المادية، لكنها لا تعرف كيف تحسب قيمة الفكرة عندما تتحول إلى جزء من هوية شعب بأكمله.
ومن هنا يمكن فهم جانب من المفارقة التي يراها العالم اليوم. فحين تُطلق التهديدات ضد شعبٍ يؤمن أن الكرامة مقدمة على الخضوع، تكون النتيجة أحياناً معاكسة لما خُطط لها. إذ يُفترض أن ينتشر الخوف بين المهدَّدين، لكن القلق ينتقل إلى الجهة التي أطلقت التهديد عندما تكتشف أن حساباتها بنيت على فرضيات غير دقيقة.
إن الفارق الحقيقي لا يكمن في حجم الترسانة العسكرية، بل في طبيعة العلاقة مع الموت ذاته. فهناك مجتمعات تنظر إلى الموت بوصفه نهاية لكل شيء، ولذلك يصبح الخوف منه مركز قراراتها السياسية والاجتماعية. وفي المقابل توجد مجتمعات تنظر إلى الموت باعتباره احتمالاً لا يلغي المعنى الذي تعيش من أجله، ولذلك يصبح التهديد أقل فاعلية في التأثير على سلوكها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب حضور كربلاء المستمر في الوجدان الشعبي لدى ملايين البشر. فالقضية ليست استذكار معركة وقعت قبل قرون، بل استذكار فلسفة كاملة تعيد ترتيب الأولويات بين الكرامة والمصلحة، وبين المبدأ والمنفعة، وبين الحرية والأمان.
إن الدول الكبرى كثيراً ما تربح المعارك لأنها تمتلك أسباب القوة، لكنها تخسر أحياناً قدرتها على إخضاع الآخرين لأنها تفشل في فهم البنية الفكرية والأخلاقية للمجتمعات التي تواجهها. فالقوة تستطيع أن تفرض وقائع، لكنها لا تستطيع دائماً أن تنتزع القناعات.
وهنا تتجلى المفارقة بأوضح صورها: فبعض القوى تمتلك القدرة على تدمير المدن، لكنها تعجز عن هزيمة فكرة. وتمتلك القدرة على فرض العقوبات، لكنها تعجز عن فرض القناعة. وتمتلك وسائل الردع كافة، لكنها تقف حائرة أمام شعب يرى في الصمود قيمةً لا تقل أهمية عن الحياة نفسها.
ولهذا تبقى كربلاء حاضرة في كل زمان؛ لأنها لم تقدم درساً في كيفية الانتصار على الخصم فحسب، بل قدمت من خلال نهضة الإمام الحسين عليه السلام درساً أعمق من ذلك بكثير: كيف ينتصر الإنسان على الخوف، وكيف تنتصر المبادئ على المصالح عندما يصل الصراع بينهما إلى لحظته الحاسمة.
وهذا هو السر الذي جعل نهج الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وثورة الإمام الحسين عليه السلام يتجاوزان حدود الزمن والجغرافيا، ليبقيا حاضرين في وجدان الشعوب الحرة جيلاً بعد جيل؛ لأنهما لم يقدما نموذجاً للعيش فقط، بل قدما نموذجاً للكرامة عندما تصبح الكرامة أغلى من الحياة نفسها.11




