أزمة البنزين بين دعم السيارات الكهربائية وحرب كسر العظم مع مافيات الفساد؟!
رعد صباح زنكنة ||

في العراق لا يمكن النظر إلى الازمات الأخيرة بوصفها مجرد خلل فني أو مشكلة مؤقتة في الإمدادات فالتوقيت والسياقات السياسية المحيطة بها يدفعان إلى طرح أسئلة أعمق تتعلق بصراع النفوذ ومواجهة الفساد داخل مؤسسات الدولة.
جاءت الأزمة في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً في إجراءات مكافحة الفساد وملاحقة شخصيات متهمة باستغلال مواقعها الوظيفية لتحقيق مكاسب غير مشروعة، وكان ملف الجميلي واحداً من أبرز القضايا التي أثارت اهتمام الرأي العام باعتباره رسالة مفادها أن بعض خطوط النفوذ التي كانت تعد محصنة لم تعد بمنأى عن المساءلة القانونية.
في هذا السياق يرى مراقبون أن أزمة البنزين لا يمكن فصلها عن حالة الاشتباك القائمة بين الدولة وشبكات المصالح المتضررة من حملات مكافحة الفساد، فكلما اقتربت الإجراءات الحكومية من مراكز النفوذ المالي والإداري ازدادت احتمالات ظهور أزمات وضغوط تستهدف إرباك المشهد العام وإضعاف ثقة الشارع بالإصلاحات الجارية.
وتذهب بعض القراءات إلى أن مافيات الفساد التي ترسخت داخل بعض مفاصل الدولة على مدى سنوات، سواء في وزارة النفط أو في مؤسسات أخرى تمتلك من الأدوات والامتدادات ما يجعلها قادرة على التأثير في حركة الأسواق وسلاسل التوريد والخدمات بشكل مباشر أو غير مباشر، وعندما تشعر هذه الشبكات بأن مصالحها أصبحت مهددة فإنها قد تلجأ إلى استخدام الأزمات وسيلة للضغط السياسي والإعلامي.
الأزمة الحالية وفرت مادة خصبة لحملات التسقيط السياسي حيث جرى تحميل الحكومة المسؤولية الكاملة عن المشهد في وقت يرى فيه آخرون أن ما يحدث قد يكون جزءاً من رد فعل تقوده جهات متضررة من فتح ملفات الفساد وملاحقة المتورطين فيها، فالصراع لم يعد يدور فقط داخل أروقة المؤسسات بل انتقل إلى الشارع والرأي العام ووسائل الإعلام.
كما أن الترويج المتزامن للسيارات الكهربائية خلال أزمة الوقود أثار بدوره تساؤلات حول وجود مصالح اقتصادية تحاول الاستفادة من حالة الإرباك في سوق المشتقات النفطية، فحين يفقد المواطن ثقته باستقرار توفر البنزين يصبح أكثر استعداداً للبحث عن بدائل أخرى وهو ما يفتح أبواباً واسعة أمام أسواق واستثمارات جديدة.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأساسية أن غياب الشفافية يترك المجال مفتوحاً أمام التكهنات، فالدولة مطالبة بتقديم إجابات واضحة للرأي العام حول أسباب الأزمة الحقيقية وكشف أي جهات أو شبكات تقف وراء تعطيل الخدمات أو استغلالها لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية.
إن معركة مكافحة الفساد لا تُقاس فقط بعدد أوامر القبض أو الملفات المفتوحة بل بقدرة الدولة على منع مافيات الفساد من استخدام قوتها ونفوذها لإحداث أزمات تمس حياة المواطنين، وإذا ثبت أن هناك جهات متنفذة تقف خلف افتعال أو تعميق أزمة البنزين لحماية مصالحها أو للرد على حملات مكافحة الفساد، فإن ما يجري لا يكون مجرد أزمة وقود بل محاولة لإخضاع الدولة لإرادة شبكات النفوذ التي اعتادت العمل من خلف الستار.
ويبقى المواطن العراقي الضحية الأولى لأي صراع بين الدولة ومافيات الفساد، سواء ظهر هذا الصراع على شكل ملفات قضائية أو حملات إعلامية أو أزمات خدمية تضرب حياته اليومية.




