الأربعاء - 01 يوليو 2026

“السوشيال ميديا” وثقافة السطح..!

منذ شهر واحد
الأربعاء - 01 يوليو 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

 

وأنت تتنقّل في فضاءات ما يُسمّى بـ”السوشيال ميديا”، لا تكاد تُولّي وجهك جهةً إلّا وتصطدم بما يخدش الحياء، ويُثقِل روح الغيور بما لا يليق بإنسانٍ كرّمه الله.

مشاهدَ اجتماعية سوقية استهلاكية، حواراتٌ سياسية يُفترض أنها تُعالج شؤون المجتمع، فإذا بها ساحات تراشقٍ لفظيّ مبتذل، لا ضابط فيها ولا وازع.

أما عن المقاطع العبثية السريعة “ريلز”، التي تُقدَّم على أنها “محتوى” -فحدّث ولا حرج- لا هدف لها سوى لفت الأنظار، ولو على حساب الكرامة والقيمة، وفضح الأسرار.

وما إن تزيدَ في التصفّح وقتًا، حتى تُصدَم بعناوين لافتة، تقود إلى فراغٍ فكريٍّ مموَّه!، ثم لا تلبث أن يستوقفك حوارٌ بين مَن ظننتهم أهل اعتدالٍ في موضوع تحت أي عنوان، ضمن برنامج خاص، فإذا ببعضهم عند أول اختلاف يتقوقعون داخل قناعاتهم، وينحازون إلى أحزابهم أكثر مما ينحازون إلى الحقيقة.

أصواتٌ تَرفع شعار الإصلاح، فيما تتعثّر في تناقضاتها، وأخرى تتناقل الكلام بلا وعي المسؤولية. فيغدو الناس تائهين بين صخب الآراء ووجه الحقيقة الغائب.

فكانت النتيجة المؤلمة، أنّ غالبية المجتمع، أضحى بين نفورٍ يقود إلى الغفلة والتخبّط، وانجذابٍ يجرُّ إلى ضجيجٍ يبتعد بصاحبه عن الحق والحقيقة، فيما لا تجد ما يُثري العقل، ويُنعش الفكر، ويُلَيِّن الوجدان إلّا نادرًا في هذا الزحام.

هذا هو زمن التسابق في حلبة صراع المنصّات المتنوعة لصناعة مايسمى بـ“الترند”، فضاء يخلو من التوازن وكثير من الاتزان، وينأى بمعطياته غالبًا عن الفضيلة.

فلم تعد المشكلة في كثرة المحتوى فحسب، بل في الثقافة التي تُرسَّخ خلفه، ثقافة “الالتقاط السريع” التي تُغري بالسطح وتُضعِف التأمّل، وتقضي على استقلالية الفكرة ونقائها، إذ صار الصوت الأعلى للألمعِ قشرًا، لا للأعمق لبًّا ومعنًى!.

لذا، فقد صنع هذا الفضاء المفتوح، عقولًا لم تعد تحسن التمييز بين عالمٍ وجاهل، ولا بين مصلحٍ ومفسد، بل كثيرًا ما يلهثُ أصحابها خلف الإثارة، وتهميش القيمة، اعتمادًا على المنطق السوقيّ المفتقِر الى الذوق، والذي يقوم على جذب الانتباه لا بناء الإنسان وارتقائه.

فمن الطبيعي أن تتراجع مكانة الفكر والمفكّر، ويُزاح أصحاب العلم والعلماء، ويتقدّم التافهون، يرفعهم التصفيق والصفيق، ويصنع منهم رموزًا تجيد التلوّن، لا عن بصيرةٍ ولا حكمة ولا تفكير.

إنّ أخطر ما يواجه الإنسان اليوم، أن يجعل الكثرة معيارًا للحق، مع أن الحق لا يُعرف بصخب الجموع، وعدد المتابعين، إنما بالحجة والبصيرة والمعرفة. يقول الله “عزوحل”:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ..﴾. الانعام ١١٦

وهذا تحذير من عدم اتباع الأكثرية الباطلة، وضرورة اعتماد الوعي الذي يضمن للعقل قيمته، وللقلب اتزانهُ، وعيٌ يُدرَك من خلاله: أن ليس كل ما يلمَع ذهبًا، ولا كلّ مشهورٍ جدير بالاتباع.
أمّا الشهرة فهي الأخرى ليست معيارَ قيمة لأحد ولا لمشروع، إنّما القيمة في صدق الحديث وأمانة النشر، مع موثوقية المصدر، وأنّ الثبات على الحق والحقيقة هو الهيبة وإن قلّ أهلها.

والعاقل مَن لا يُسلِّم جوهرة عقله لتيارٍ جارف، بل يجعل له ميزانًا يُميّز به، وينتقي، ويحترز، حتى لا يذوب في ضجيج التفاهة، ولاتَ حين مندم!.

٤-ذو الحجة-١٤٤٧هـ
٢١-أيار-٢٠٢٦م