السيرة الشخصية للفقيدة بنت الهدى غفار عفراوي..!
غفار عفراوي العبيدي ||

طفلة لم تكن عابرة في الزمن، بل كانت أثرًا يشبه الضوء حين يمرّ على قلبٍ مظلم فيتركه مختلفًا إلى الأبد. وُلدت عام 2006 في لحظةٍ يختلط فيها المعنى بالرمز، متزامنةً مع ذكرى ولادة الإمام علي عليه السلام، وكأن بدايتها كانت إشارة هادئة إلى نقاءٍ قادم.
كانت تُعرف بين أحبّتها بـ “بنوتة”… اسم بسيط، لكنه كان يحمل كل تفاصيلها: خجلها الجميل، صوتها الهادئ، ضحكتها التي تمرّ كنسمة، وملامحها التي تجمع البراءة والدهشة معًا.
منذ طفولتها الأولى، ظهرت ملامح الاستثناء في روحها.
في الرابعة من عمرها كتبت قصة مصوّرة، وكأن يدها الصغيرة كانت تعرف أن الحكاية لا تنتظر العمر. وفي السادسة بدأت تكتب القصة بوعيٍ طفولي مدهش، ثم في العاشرة تحولت خواطرها إلى كلمات تحمل عمقًا أكبر من سنّها، وفي الرابعة عشرة حاولت أن تلامس الرواية، كأنها كانت تسبق الزمن بخطوات.
كانت متفوقة في دراستها، الأولى على صفها في جميع المراحل، لا لأنها كانت تسعى للتفوق فقط، بل لأن داخلها كان يميل دائمًا إلى الكمال الهادئ، ذلك الكمال الذي يشبه أرواحًا وُلدت لتضيء لا لتتنافس.
لكن ما يميزها لم يكن في الكتابة وحدها، بل في عالمها الواسع الذي حمل لغاتٍ وأبوابًا أخرى للحياة. فقد كانت تجيد اللغة الإنجليزية قراءةً وكتابة بطلاقة، وخلّفت وراءها مكتبة غنية وكبيرة من الكتب والروايات الإنجليزية، وكأنها كانت تبني عالمًا موازيًا تعيش فيه بين الصفحات، وتتنقّل فيه بين الشخصيات والأفكار، وتترك جزءًا من روحها في كل كتاب.
ثم جاء المرض… فغيّر مسار الجسد، لكنه لم يمسّ الروح.
أصابها داء السكري في سنّ مبكرة، ومع ذلك بقيت تكتب، ترسم، وتبتسم كأنها تتحدى الألم بصمتٍ جميل.
توقفت مسيرتها الدراسية في الصف الخامس الإعدادي بسبب شدة المرض، لكن مسيرتها الإنسانية والأدبية لم تتوقف يومًا، لأن ما كان فيها لم يكن مجرد دراسة، بل كان حياةً كاملة تمشي على هيئة طفلة.
وفي ليلةٍ تشبه النور، رحلت عام ٢٠٢٦
في ليلة النصف من شعبان، ليلة ولادة الإمام المنتظر عليه السلام، وكأن الغياب اختار لها بابًا من الطمأنينة لا من الفقد.
اسمها “بنت الهدى” كان امتدادًا لمعنى، تيمّنًا بالشهيدة بنت الهدى أخت السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه)، وكأن الاسم حمل في داخله رسالة طهرٍ ومسارًا مختلفًا.
أما “بنوتة”… فكانت أقرب إلى القلب من الاسم، وأقرب إلى الذاكرة من الغياب.
رحلت…
لكنها لم تترك فراغًا، بل تركت مكتبةً، وكتاباتٍ، ورسوماتٍ، وذاكرةً تمشي بين الكتب كأنها لم تغب.
طفلة قرأت العالم مبكرًا، وكتبت نفسها مبكرًا، وغادرت مبكرًا… لكنها بقيت في كل صفحة، وفي كل كتاب، وفي كل قلب عرفها.
#فقيدة_الثقافة
#وجعي_الاكبر
#ام_ابيها




