أربعينية الأمام الشهيد بطعم النصر..!
كوثر العزاوي ||

أربعون يومًا مرّت، وما زال القلب واقفًا عند اللحظة الأولى، عند الخبر الأول، عند الصدمة الأولى، منذ ارتقى سماحة الشهيد القائد “علي الخامنائي”، وكأنّ الأيام بعده لم تعد تشبه الأيام التالية.
أربعون يومًا، وما زال اسمه يدخل المجالس كأنهُ راية، ويجوب طيفه القلوب والآفاق كأنه حضور شامخ. وحين يطرق ذكره الإسماع في البيوت والمحافل وعبر الفضاء، يسرح الذهن معه لا كشهيدٍ رَحل، بل كقائد ماثل أهيب، أكبر من الغياب!.
لقد مثّل عروجك سيدي زلزالًا كادت معه أفئدتنا تفرغ من كل ثبات، لولا أن ربط الله على قلوبنا لنكون من المؤمنين.
ولكن.. وعلى حين غرة من القدر، وفي غمرة الاستعداد لإحياء ذكرى أربعينيّتك، طفحت القلوب والدروب بفيض حضورك.
ترى ما السر الذي جعل من غيابك الأربعين موعدًا للنصر لا للحزن والعزاء؟! كيف تحوّلت سرادق العزاء رمزًا لوحدة الأمة، كي ترى العراق في إيران، وإيران في دول شتى، والكلّ يحمل صورتك بين عينيه، وعلم بلاده في يدٍ، وفي الأخرى راية الحسين؟!.
كيف تحوّل يوم أربعينيتك نصرًا تاريخيًا عظيمًا، يرسم للأمة طريق العزة والكرامة والصمود.
ليدرك العدو والصديق، أنّ الكرامة لا تُصان، والنصر لا يتحقق، إلّا إذا برز في الميدان رجال يُسابقون الموت قرابين على مذبح الكرامة!.
نعم سيدي.. هكذا عرفناك سيدًا مهيبًا، وقائدًا صُلبًا، ومازلنا نراك في كل شيء: في الكلمات التي كنت تقولها، وفي النصائح التي تسديها، وفي المواقف التي سطرتها، وفي إيمانك الذي لم يتزعزع، وفي قلبك الذي لم يعرف الخوف، وفي تأريخك الحافل بالتضحيات.
ومن سنينك الثمانين تعلّمنا، أنّ الغياب ليس نهاية المسير، ومعيار حضور القائد المؤثر ليس بجسده، إنما بمقدار حضوره حيًا في الضمائر، وبحجم استمرار رسالته في الناس، كقضية مقدسة ومشروع إلهي، فلا يغيب أبدًا، لأن القضية نفسها، والمشروع ذاته، هو مـن يُبقيه حاضرًا في الوجدان وفي كل جيل، وفي كل موقف مشرّف.
فهناك رجال حين يرحلون عن الساحة، يشتدّ حضورهم في الواقع والوجدان، ولمثلِ السيد الوليّ -بلا خلاف- حضور ملائكيّ رغم الغياب، ووجود مبارك في الألباب، وصورةٌ لا تغيب، وخطابٌ يسكن الأرواح، وطلعة شاخصة نورية تعزز الآمال في النفوس.
إنّ تعلّق الأمة والجماهير بقائدها لا يأتي من فراغ، بل من حقيقة اعتقاده، بأنه الجزء الذي ينوب عن أصلٍ معصوم غائب مأمول، قريب من همومها وتطلعاتها، لذا قد أصبح جزءً من ذاكرتها اليومية، يستحضرونه في الملمات، ويبحثون عن صوته حين تضيع الاتجاهات.
فقد ترك الإمام الشهيد الخامنئي العظيم خلفهُ، وطنًا كاملًا من المآثر والمكارم والآثار التي لاتمحى، إذ كان واحدًا من أولئك الذين لا يشبهون العابرين.
وحين جاءته الشهادة تسعى وهو طالبها، جاءت كخاتمةٍ تليق برجلٍ عاش كله لله، ويوم حمي الوطيس، اختار أن يكون مع الناس وليس في بروج مشيّدة، فلطالما أرعبه كابوس الموت على الفراش، فاختار منتظرًا شهادته، فتحققت في عشر خلت من شهر الله!. ومضى مضرجُا بدمه، مهدومٌ عليه بيته مع ثلة من أفراد أسرته.
فسلام عليك شهيدًا سعيدًا، سلام عليك دمٌ شاهدًا، سلام عليك وليِّا قائدًا، وللمعصوم نائبًا مخلصا.
{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}
٢١-شوال-١٤٤٧هـ
١٠-نيسان-٢٠٢٦م




