صراع الجذور والرمال: لماذا تخشى “القلعة” هيبة “الحضارة”..؟
كندي الزهيري ||

لا يمكن فهم السلوك السياسي للإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض تجاه الدول ذات العمق التاريخي (مثل مصر، العراق، سوريا، الصين، إيران) إلا من خلال مقاربة “الأنثروبولوجيا النفسية”.
ذلك أننا أمام كيان سياسي وُلد في “لحظة حديثة” مقارنةً بدول تضرب جذورها في عمق التاريخ البشري لآلاف السنين.
ففي حين أن الطفل في بغداد أو دمشق أو القاهرة يقرأ تاريخاً يمتد لـ 7000 عام من الأدب والفلسفة والقانون، فإن الولايات المتحدة تأسست على أنقاض حضارات السكان الأصليين عبر فكر “الإبادة والمحو”.
وعليه، فإن هذا الفارق الزمني يخلق ما يُعرف بـ”عقدة المراهق أمام الحكيم”. وبناءً على ذلك، فإن الدول الحضارية تمتلك “ذاكرة جمعية” صلبة تجعلها عصية على الذوبان الثقافي الكامل، في المقابل تعتمد القوى الطارئة على “التوسع المادي” لتعويض غياب “العمق الروحي”.
ومن هذا المنطلق، تبدو أمريكا كقوة مادية لا تجيد التعامل مع الشركاء بقدر ما تميل إلى التعامل مع “الأتباع”. ذلك لأن الدول ذات الحضارة الممتدة تمتلك كبرياءً تاريخياً يمنعها من الانصياع للنموذج الغربي “المعلب”.
لذلك، نجد أن الإستراتيجية الأمريكية غالباً ما تستهدف تحطيم الرموز، كما حدث في نهب آثار بغداد عام 2003، حيث لم يكن ذلك حدثاً عشوائياً، بل استهدافاً مباشراً لذاكرة المنطقة، ثم في عام 2014 عبر أدواتها “داعش”. وفي السياق ذاته، يتم البحث عن “الثقوب التاريخية” بهدف تصوير الحضارات القديمة ككيانات بائدة لا صلة لها بالواقع الحالي، وذلك من أجل تبرير “الوصاية” عليها.
وعندما تعجز القوة العسكرية المباشرة عن تطويع دولة حضارية، فإنها تلجأ إلى “الأدوات الوظيفية” (الجماعات الإرهابية)، حيث تقوم هذه الأدوات بـ تنفيذ المهام غير المباشرة، مثل تدمير المعالم الأثرية (كما فعل “داعش” في تدمر والموصل)، بالإضافة إلى تفكيك النسيج الاجتماعي الذي تماسك لآلاف السنين، وأيضاً تحويل “الدولة الأم” إلى “ساحة فوضى” يسهل التحكم بمدخلاتها ومخرجاتها. في المقابل، يقدّس قادة في واشنطن “العقد الاجتماعي” القائم على المصالح المادية اللحظية، بينما تتحرك الشعوب ذات الحضارة العريقة بدافع “الوجدان التاريخي”.
وبالتالي، يشكّل هذا الوجدان سداً منيعاً يمنع العولمة الأمريكية من ابتلاع الهويات الوطنية. ومن هنا، فإن العداء ليس سياسياً فحسب، بل هو عداء “اللا-انتماء” تجاه “الجذور”.
إذ إن القوة التي لا تملك تاريخاً تخشى دائماً من استيقاظ التاريخ في نفوس الآخرين، لأنها تدرك أن السلاح قد يسقط في لحظة، في حين أن الحضارة تمثل روحاً لا تموت. إن استعادة الشعوب لوعيها التاريخي تمثل “السلاح النووي” الحقيقي الذي تخشاه القوى الغربية اليوم.




