إمّا أن تَعمىٰ وإمّا أن تُبصر..!
كوثر العزاوي ||

رويَ أنّ رجلًا قال لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام:
“يا أمير المؤمنين، إنّي أحبك وأحب فلاناً “(وسمّىٰ أحد أعدائه)، فردّ عليه الإمام:
“أمّا الآن فأنت أعور، فإمّا أن تعمىٰ وإمّا أن تبصر”.
جاء هذا الردّ الحاسم من الإمام عليّ، بمثابة دعوة حازمة، لتبنّي موقف عقائدي واضح لا لبس فيه. يُشير بها إلى أنّ التوفيق بين محبة الحقّ وأعدائه (النفاق أو التذبذب) هو نقص في البصيرة.
ومعنى “أعور”: هو وَصفٌ للإنسان الذي يرى جانبًا من الحق(محبة أهل البيت) ويغفل عن الآخر (البراءة من أعدائهم).
لذا فإنّ اللبيب من الإشارة يفهمُ، فما بالك وإشارة أمير الحق وسيد البلغاء أوضحَت للقائل طريقه، وترك له الخيار بقوله:
فإمّا أن تعمىٰ: بمعنىٰ الاستمرار في التذبذب والعمىٰ عن الحقائق الكاملة، وإمّا أن تبصر الوصول، إلى كمال الإيمان عِبر الموالاة المطلقة للحق والبراءة من أعدائه.
وهذا هو نتاج البصيرة التي تعني: الإدراك الواعي للحقائق والعمل بمبادئ الله والشريعة، بينما التمنّي ومحبة الباطل، يطمس هذه البصيرة فيصبح الانسان في عِداد الذين لايفقهون ولايعقلون ولايبصرون.
لذا، فقول مولانا “عليه السلام” يؤكد على ضرورة “الولاء والبراء” كمنظومة متكاملة، وأنّ البصيرة الحقيقية لا تقبل التجزئة، فالإنسان إمّا أن يكون على نهجٍ واضح وبصيرة نافذة، أو في عمىً وتخبط، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وفي هذا السياق، ثمّة مصداق آخر ذكرته الروايات الشريفة.
قيل للإمام الصادق “عليه السلام”:
إنّ فُلانًا يواليكم، إلّا أنّهُ يضعُف عن البراءة من عدوكم، قال عليه السلام: “هيهات.. فقد كذب من ادّعىٰ محبّتنا، ولم يتبرّأ من عدوّنا”.
ونحن نعيش مرحلة استثنائية، لا بدّ أن نستفيد من تراث آل محمد “عليهم السلام” ونعتمد نهجهم، في زمن تختلط فيه الأصوات، وتُشوَّه فيه الحقائق. فقد نرى كثير من الناس، يقف في منطقة رمادية أو ما تسمىٰ “بالحياد” ويظنّها الأصوب وفيها النجاة، وهي في حقيقتها أشدُّ خطرًا من الانحياز الواضح والميل الناعم صوب الباطل.
ففي الحرب القائمة اليوم بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل وحلفائهما من جهة أخرى، يظهر مَن يهاجم الظلم، ثم يبرر لظالم آخر، يرفض الاحتلال، ثم يصمت عن العدوان، يستنكر الدم حين يسيل في مكان، ويتجاهله حين يسيل في مكان آخر.!!
أليس هذا في الواقع أزمةُ بصيرة؟! أو هو مصداق “العَوَر” الذي أشار إليه أمير المؤمنين “عليه السلام” في ردّه على ذلك الرجل؟!
من هنا ندرك، أنّ من يُبصر الحق لا يمكنه أن يقف مع القاتل والضحية في آنٍ واحد، ولا مع الظالم والمظلوم -ولو على نحو الشعور-
فالحق حقّ لا يتجزأ، والباطل لا يصبح حقًا ولن تجد له مبرِّرًا مهما اجتهدتَ وبرَّرت.
إنّ أمريكا وإسرائيل لم تكونا يومًا، ولن تكونا بعيدتين عن إشعال الحروب، وصناعة الفوضى، وتبنّي استباحة الدماء، وقتل الأبرياء. ومن يرى ما يجري ثم يتعامىٰ تحت أي مبرر، فقد اختار العمىٰ والتخلي عن إنسانيته قبل فقدان موقفه.
فما على الإنسان العاقل، إلّا أن يكون مع الحق حيث يكون، وضد الباطل أينما كان يكون، وإنّ العاقل لا يبيع ضميره في سوق الاصطفافات، ولا يسمح للكراهية أن تطفئ نور الحقيقة في قلبه.
فاليوم، لا يوجد متّسعٌ لأنصاف المواقف. فإمّا أن تَعمىٰ فتبحث عن مبررات للباطل، وإمّا أن تُبصر فترى الحق في الوقوف مع المظلوم والبراءة من الظالم. وبذلك يتطلب منك كلمة، ويلزمك تأييدًا، ويستدعي منك موقفًا حازمًا لا لبسَ فيه، ومَن كان حريصًا على دينهِ فحسبهُ ماوردَ عن الإمام الرضا “عليه السلام” قوله:
“كمال الدّين ولايتنا، والبراءة من عدوّنا”
١٧-شـوال-١٤٤٧هـ
٦-نيسـان-٢٠٢٦م




