المرشد في الظل: معركة العقول بين طهران وتل أبيب .؟
طه حسن الأركوازي ||

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد ، تتقاطع فيها الحرب المفتوحة مع الحرب الخفية ، تبرز معركة الظل بين “إيران و إسرائيل” بوصفها أحد أكثر أوجه الصراع حساسية وتأثيراً ،
فبينما تتجه الأنظار إلى الضربات العسكرية المُباشرة وتداعياتها ، يجري في العمق صراع أستخباري محموم ، تتداخل فيه تقنيات الرصد ، وحروب الاختراق ، وعمليات التضليل ، وفي هذا السياق يطفو على السطح ملف غياب المرشد الإيراني السيد “مجتبى خامنئي” عن دوائر الرصد الاستخباري ، كواحد من أكثر التطورات إثارة للجدل ، ليس فقط لما يحمله من أبعاد أمنية ، بل لما يعكسه من تحولات في بُنية المواجهة بين الطرفين .
إذ تُشير مُعطيات مُتقاطعة من تقارير إعلامية وتحليلات صادرة عن مراكز دراسات أمنية غربية إلى أن جهاز الموساد الإسرائيلي واجه خلال الفترة الأخيرة تحدياً غير مألوف يتمثل في تراجع قُدرته على تتبع بعض القيادات الإيرانية الحساسة ، وعلى رأسها المرشد .؟
هذا التراجع إن صحّ لا يُقرأ بمعزل عن سلسلة من العمليات التي نُسبت سابقاً إلى إسرائيل داخل العمق الإيراني ، والتي أستهدفت بُنى تحتية عسكرية وعلماء ومسؤولين ، وحققت أختراقات ملموسة في فترات سابقة .
غير أن المشهد الحالي يوحي بأن طهران أعادت صياغة عقيدتها الأمنية بشكل أكثر تشدداً وتعقيداً ، فبحسب تقديرات منشورة في دراسات صادرة عن معاهد مثل “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية” (IISS) و”مؤسسة كارنيغي”، فإن إيران أنتقلت من نمط الحماية التقليدي إلى نموذج “الأمن الطبقي المركب”، الذي يعتمد على تقليل البصمة الرقمية ، وتفكيك شبكات الاتصال ، وإعادة توزيع مراكز القيادة بشكل “لا مركزي” ، هذا التحول لا يهدف فقط إلى حماية الأفراد ، بل إلى إرباك الخصم ومنعه من بناء صورة أستخبارية مُتكاملة .
في هذا الإطار ، تبدو الإجراءات التي نُقلت عن المُؤسسات الأمنية الإيرانية ، مثل تقييد أستخدام الأجهزة الذكية ، وتعطيل قنوات الاتصال الحديثة ، وتعزيز البنية التحتية المُحصنة ، جُزءاً من أستراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل فرص الاختراق ، كما أن الحديث عن مُنشآت مُتكامل “للقيادة والسيطرة والتصنيع” تحت الأرض أو ما تُيمى “بالمُدن المُحصنة” ، وإن كان يندرج جُزئياً ضمن الحرب النفسية ، إلا أنه يعكس أيضاً توجهاً إيرانياً قديماً تُعزز بعد الضربات التي تعرضت لها منشآت حيوية في السنوات الماضية .
في المقابل ، لا يبدو أن إسرائيل قد تخلت عن أدواتها التقليدية في هذا الصراع ، بل على العكس هي كثّفت من أستخدام الحرب النفسية والإعلامية كوسيلة لاستدراج الخصم . فالتصريحات المُتكررة حول إصابة أو غياب قيادات إيرانية ، أو نشر مقاطع توثق عمليات سرية داخل إيران ، يمكن فهمها في سياق محاولة دفع طهران إلى كسر حالة الصمت ، وإجبار شخصيات محورية على الظهور ، بما يتيح إعادة بناء بنك الأهداف ، هذه المُقاربة تتسق مع ما تصفه أدبيات الاستخبارات بـ”أستراتيجية الاستفزاز المعلوماتي”، التي تهدف إلى أستدراج الخصم نحو كشف نفسه .؟
في موازاة ذلك ، شنت إيران حملة أمنية واسعة النطاق داخل أراضيها أستهدفت شبكات يُشتبه بأرتباطها بإسرائيل. ورغم أن الأرقام المعلنة حول الاعتقالات ، ومصادرة المُعدات تجسس متذوره ، إلا أن طبيعة هذه الحملة تعكس إدراكاً إيرانياً لخطورة الاختراق الداخلي ، فالتجارب السابقة ، بما فيها عمليات أغتيال قيادات وعُلماء نوويين ، أظهرت أن الاختراق البشري لا يقل خطورة عن التفوق التكنولوجي .
ومن هنا ، يبدو أن “طهران” تُحاول إعادة ضبط بيئتها الداخلية عبر مزيج من الإجراءات الأمنية الصارمة والحشد المجتمعي .
لكن هذه المُقاربة تطرح في الوقت ذاته تحديات مُعقدة ، إذ إن توسيع دائرة الاشتباه قد يؤدي إلى آثار عكسية على المستوى الاجتماعي والسياسي ، خاصة إذا ما أُقترن بتقييد الحريات أو أستهداف فئات واسعة تحت ذرائع أمنية . وتشير بعض التحليلات إلى أن نجاح أي حملة أمنية لا يُقاس فقط بعدد المعتقلين ، بل بقدرتها على تحقيق توازن بين الأمن والاستقرار الداخلي ، دون الانزلاق إلى حالة من الشك العام .
ربط هذه التطورات بالحرب الدائرة في المنطقة يكشف عن بعد أعمق للصراع ، فالتصعيد بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى لم يعد مُقتصراً على المواجهة العسكرية المُباشرة ، بل أصبح صراعاً مُتعدد المستويات ، تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع الجبهات الاستخبارية والسيبرانية ، وفي هذا السياق ، يصبح إخفاء القيادات ، أو إظهارها ، جُزءاً من مُعادلة الردع ، تماماً كما هو الحال في تحريك الصواريخ أو نشر القوات .
ما يمكن استخلاصه من هذا المشهد هو أن الصراع دخل مرحلة “إدارة الغموض”، حيث يسعى كُل طرف إلى التحكم في ما يعرفه خصمه ، بقدر ما يسعى إلى التحكم في قدراته العسكرية ، فإيران تُحاول تقليل أنكشافها إلى الحد الأدنى ، وإسرائيل تسعى إلى كسر هذا الغموض عبر مزيج من العمليات السرية والحرب النفسية ، وبين هذا وذاك تبقى الحقيقة الكاملة غائبة ، أو على الأقل مجزأة ، بما يخدم أستراتيجيات الطرفين .
ختاماً .. اليوم لا يمُكن الجزم بحجم النجاح الذي حققته إيران في تحصين قياداتها ، ولا بمدى التراجع الفعلي في قدرات الاستخبارات الإسرائيلية ، لكن المُؤكد أن قواعد اللعبة قد تغيرت ، فالمرحلة المُقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد غير التقليدي ، حيث ستكون المعلومة لا الصاروخ فقط ، هي سلاح الحسم ، وفي هذا السياق ، تبدو الحاجة مُلحة لأعتماد مُقاربات أكثر توازنًا ، تقوم على إدارة الصراع بدل الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة ، مع إدراك أن الإفراط في السرية أو في الاستفزاز قد يقود إلى نتائج غير محسوبة …!




