الثلاثاء - 09 يونيو 2026

عدم الاستنكار والإدانة.. بحد ذاتها إدانة.. بوصلة المواقف..!

منذ شهرين
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

جليل هاشم البكاء ||

في عالم السياسة، لا يُقاس الموقف فقط بما يُقال، بل بما يُترك دون قول. فالصمت في لحظات الحسم ليس حيادًا كما يُروَّج، بل موقف واضح، يحمل في طياته دلالات أعمق من أي بيان رسمي. وعندما تمتنع دول عن استنكار حرب أو إدانة عدوان، فإن هذا الامتناع يتحول تلقائيًا إلى إدانة لها، ويُفهم منه أنه قبول ضمني، بل وموافقة غير معلنة على ما يجري.

إن الدول التي تختار الصمت أمام مشاهد الدمار وسفك الدماء، لا يمكنها أن تدّعي الحياد أو التوازن. فالمواقف الأخلاقية والسياسية لا تُبنى على التهرب، بل على الوضوح. ومن يرفض إدانة العدوان، فإنه يمنحه غطاءً سياسيًا، ويشارك في تثبيت نتائجه، حتى وإن لم يطلق رصاصة واحدة.

وإذا كانت بعض هذه الدول قد وجدت نفسها منخرطة في هذا المشهد نتيجة ضغوط أو سياسات فرضتها قوى كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فإن ذلك لا يعفيها من المسؤولية. بل على العكس، كان الأولى بها أن تعلن موقفها الرافض، وأن تستنكر بوضوح، كما تفعل حين تسارع إلى إدانة فصائل المقاومة بحجة أنها تورّط المنطقة في الحروب وعدم الاستقرار.

هذا التناقض يكشف ازدواجية المعايير، ويضع تلك الأنظمة أمام اختبار أخلاقي وسياسي حقيقي. فلا يمكن قبول أن تكون الإدانة حاضرة عندما يتعلق الأمر بجهة معينة، وغائبة عندما يكون العدوان صادرًا من جهة أخرى. فالمعيار يجب أن يكون ثابتًا، لا تابعًا للمصالح أو الضغوط.

إن استمرار هذا الصمت لا يعني فقط ضعفًا في الموقف، بل يُعد مشاركة غير مباشرة في العدوان، وإسهامًا في تعريض مستقبل الشعوب للخطر. فالدول التي لا تدافع عن مبادئها في اللحظات الحرجة، تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية سيادتها ومصالحها.

في النهاية، يبقى الصمت في وجه العدوان موقفًا لا يقل خطورة عن الفعل نفسه. ومن لا يدين، فهو يُدان. ومن لا يستنكر، فإنه يختار أن يكون جزءًا من المشهد، لا شاهدًا عليه.