الثلاثاء - 09 يونيو 2026

قراءة في أسباب و تائج الحرب الدائرة بين الجمهورية الإسلامية وأمريكا والكيان الصهيوني (١)..!

منذ شهرين
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

د. حسين علي السلطاني ||

تدخل الحرب الدائرة بين الجمهورية الإسلامية وأمريكا والكيان الصهيوني شهرها الثاني ، وليس هناك ما يشير في الأفق القريب إلى إنتهائها ، لأنّ الجمهورية الإسلامية متمسكة بحقوقها في الدفاع عن نفسها أمام إعتداء صارخ على بلدها وشعبها دون وجه حق أو سند قانوني أو مبرر موضوعي ، ومن جهة أخرى تعيش أمريكا والكيان الصهيوني أزمة كبيرة في كيفيّة إنهائها والتخلص من تبعاتها ، فكل الاهداف التي وضعوها للحرب لم تتحقق عمليا ، وبالتالي فإنّ ايقاف الحرب في ظل هذا الواقع وهذه النتائج التي هي عليه سيجعل الجمهورية الإسلامية دولة منتصر ة و ستفرض شروطها على خصومها في كل مفاوضات مستقبلية ، ناهيك عن كشفها لخواء أعدائها وزيف مدعياتهم في أنهم القدرة التي لا تقهر ، ولا يمكن الصمود أمام تفوقها العسكري والتكنلوجي ، وفي خضم هذا الصراع المحتدم تداخلت المواضيع وتباينت المواقف واختلطت المفاهيم ، الأمر الذي يستدعي تفكيك هذه الملابسات ، وبيان خلفياتها ، وذلك من خلال مناقشة العنوانين الآتية :

أولا : أسباب نشوء الحرب وخلفياتها
في الوقت الذي كانت الجمهورية الإسلامية تخوض مفاوضات مع الادارة الأمريكية حول ملفها النووي بوساطة عمانيّة ، والتي أبدت الجمهورية الإسلامية خلالها مرونة كبيرة من أجل التوصل إلى اتفاق حول ملفها النووي ، تجنبا لخوض الحرب وتبعاتها ، و بينما كان العالم يعيش تفاؤلا لنجاح المفاوضات أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية و الكيان الصهيوني على شنّ حرب واسعة ضد الجمهورية الإسلامية إبتدأتها بارتكاب جريمة نكراء تخالف الشرع والقانون والأعراف الدولية وذلك من خلال إغتيالها لقائد الثورة الإسلامية السيد الخامنائي ( قدس سره الشريف ) و ثلة من القيادات العسكرية للجمهورية الإسلامية ، وقصف مدرسة الشجرة الطيبة للمرحلة الابتدائية للبنات في مدينة ( ميناب ) والتي راح ضحيتها اكثر من ( ١٦٠ ) طفلة تتراوح أعمارهنّ بين (٦-١٢) سنة ، ومواقع اخرى مدنية وعسكرية

والسبب المعلن لهذه الحرب من قبل أمريكا والكيان الصهيوني هو ضرب المفاعل النووي الإيراني وتدمير الأسلحة الصاروخية للجمهورية الإسلامية ، والمتابع للسلوك الأمريكي والصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية ، سواء في هذه الحرب أو ما قبلها يكتشف بوضوح إنّ هذه الحجج ليست هي المبررات الحقيقية وراء هذا الإعتداء الظالم بل هناك أسباب وعوامل أعمق وأكثر من ذلك ، فالعداء الأمريكي الصهيوني ومن يقف ورائهم لم يكن وليد ساعته بل بدأ مع الأيام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية ، فكل الاحداث التي مرت بها الثورة الإسلامية منذ عام ١٩٧٩ م ، من إغتيالات قادتها ، واثارة البؤر المناوئة لها في الداخل ، وشن الحرب العراقية ضدها ، والحصار الاقتصادي الخانق لشعبها ،

كل ذلك تقف وراءه الإدارات الأمريكية المتعاقبة والدوائر الصهيونية العالمية ، وحيث إنّ الجمهورية الإسلامية دولة هادفة ويقودها رجال حكماء فقد كانت تسعى جاهدة لعدم الدخول بصراعات مسلحة ، حفاظاً على نظامها الإسلامي وأهدافها التي تسعى لتحقيقها ، وإدراكاً منها لمخططات الأعداء إالتي تسعى لجرها إلى صراع لم يحن أوانه ،

ومن هنا مع حقها في امتلاك التكنلوجيا النووية و بناء قدراتها العسكرية للدفاع عن شعبها ومصالح بلدها ، مع ذلك لكنها سعت جاهدة لأن تسحب البساط من تحت اقدام أمريكا والكيان الصهيوني وتفشل مخططاتهم التآمرية ضدها ، وذاك من خلال موافقتها على إخضاع برنامجها النووي إلى مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، مع معرفتها بعدم حياديّة هذه الوكالة ،

وقد توصلت بعد مفاوضات مضنية إلى ابرام اتفاق مع الدول (٥+١) وهي المجموعة المكونة من الاعضاء الدائمين في مجلس الامن الدولي 🙁 الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، فرنسا ، روسيا ، الصين بالإضافة إلى المانيا ) ، وقد صادق مجلس الامن على الإتفاق في ٢٠ تموز من عام ٢٠١٥ ، في قراره المرقم ( ٢٢٣١ ) ، وفي عام ٢٠١٨ إنقلبت أمريكا على الاتفاق واعلن ترامب إنسحاب بلاده عنه دون مبرر قانونيّ أو موضوعي ، و أعاد فرض العقوبات على إيران بعد أن وجدت أمريكا إنّ الآتفاق يعود بالنفع على ايران لانه ساهم – هذا الاتفاق – خلال عام بنمو الاقتصاد الإيراني بمعدل ( ٠/١٢/٥ ) وارتفعت صادرات إيران إلى ١١٠ مليار دولار .

ثمّ واصلت أمريكا عدائها للجمهورية الإسلامية بأساليب مختلفة ، تتوج ذلك العداء بإغتيال الكثير من قياداتها وعلى رأسهم الشهيد الجنرال قاسم سليماني .

كل ذلك لم يمنع الجمهورية الإسلامية من السعي لتجنيب بلدها والمنطقة بشكل عام من الدخول بصراع مسلح ، فتجاوبت مع كل المساعي لابرام اتفاق حول ملفها النووي ، و كادت ان تحقق ذلك بجهود وزير الخارجية العماني لكن أمريكا والكياني الصهيوني كانا يخططان لضرب الجمهورية الاسلامية فأفشلا كلا الجولتين التى حدثت في منتصف عام ٢٠٢٥ و ٢٠٢٦/٢/٢٨ ، وشنتا حربين واسعتين ضد الجمهورية الإسلامية خلال عام ، بهذا يتضح إنّ أهداف أمريكا والكيان الصهيوني في عدائهما لايران وشنّ الحرب عليها أوسع بكثير من موضوع البرنامج النووي والتسليحي لها ،

وهنا نقف عند اهم أسباب وعوامل عداء قوى الاستكبار العالمي وعلى رأسهم أمريكا والكيان الصهيوني وأذنابهم في المنطقة للدولة الإسلامية ، وتتلخص بالآتي :

١- إنّ نظام الجمهورية الإسلامية في إيران يمتلك رؤية فكرية منطقيّة عن الوجود والإنسان والحياة ، وهذه الرؤية يحكم بها العقل ، ويؤيدها العلم ، وتتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة وطبيعة خلقته السويّة ، وهذا ما يهدد الحضارة الغربية ، الغارقة في المادة ، لاسيما في العصر الراهن ، فهذه الحضارة أخذت بالانهيار لانكشاف خوائها في تأمين العدالة الإنسانية ، و انسلاخها عن القيم ، وانتهاكها الصارخ لحريات الناس ، وحقهم في العيش بسلام وأمان ، وارتكابها أفضع الجرائم بحق الشعوب المستضعفة ، وهيمنتها المقيتة على مواردهم البشرية و الطبيعية .

٢ – إستطاعت الجمهورية الإسلامية أن تخلق نموذجاً لنظامٍ سياسيّ مستقل ، بعيدا عن هيمنة قوى الاستكبار العالمي ، إعتمد على طاقاته البشرية وموارده الطبيعية ، وعقول أبنائه في تأمين متطلبات حياته وتحقيق سيادته ، على المستوى العلمي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتكنلوجي ، فقد استطاعت الثورة الإسلامية خلال أربعة عقود من الزمن ان تحقق نهضة علمية على المستوى البشري والتكنلوجي والصناعي والطبي ، والزراعي والسياحي ما أبهر العالم ،

ومع وجود الحصار الاقتصادي الظالم عليها طيلة سنوات وجودها لكنها بنت إقتصاداً متيناً وحققت إكتفاءاً ذاتيا في مجالات حياتها المتعددة ، وبنت جيشا وقوى مسلحة وأجهزة أمنية وترسانة عسكرية ، من شأنها ان تحافظ على إمن بلدها وشعبها من أيّ إعتداء خارجي ، هذا النموذج الإستثنائي في عالمنا المعاصر شكل تهديدا وجوديا لكل قوى الهيمنة في العالم لاسيما أمريكا والكيان الصهيوني ،

التي سعت طيلة عقود من الزمن ، ولا تزال ، أن ترسّخ قناعات وهميّة لدى الكثير من الشعوب والمجتمعات بأنّها غير قادرة على إدارة شؤونها وتأمين متطلبات حياتها ما لم تسير في ركب هذه القوى المهيمنة وتكون خاضعة وتابعة لإرادتها .

٣- لقد جسدت الجمهورية الإسلامية نظاما سياسيا ً ينشد العدالة ، ويعتمد القيم ، و أوجدت مجتمعا تسوده الإلفة والمحبة والتعاون والإنسجام ، بعيدا عن التفرقة والتناحر والطبقية . وخلقت نموذجا إنسانيا فريدا في إدارة الحكم ، ووضعت معايير موضوعيّة في إختيار المتصدّين لشؤون المجتمع ، يمتازون بالمعرفة الكافية والحكمة العالية ويتعبدون في خدمة الناس ويتفانون في التضحية والإخلاص من أجل بلدهم و شعبهم .

٤- وبحكم مبادئها وقيمها التي تؤمن بها أعلنت الجمهورية الإسلامية وقوفها وانحيازها مع حقوق المسلمين والمستضعفين في العالم ، الأمر الذي جعلها محور إستقطاب لكل القوى المظلومة والمضطهدة في العالم ، وغرست فيهم الأمل في التحرر والإنعتاق.

٥- وضعت القضية الفلسطينية وتحرير الشعب الفلسطيني المظلوم من نير الإحتلال واعادة حقوقه المغتصبة على رأس أهدافها ومطاليبها .
كل ذلك شكل تحديا كبيرا لقوى الاستكبار العالمي في ضرورة التصدي لنظام الجمهورية الإسلامية بغية إفشاله او تحجيمه كحدٍّ أدنى ، أولا ، والتمهيد لمرحلة لاحقة لرسم المخطط الجديد لخارطة دول غرب أسيا ، يكون الكيان الصهيوني صاحب اليد الطولى فيها و للإدارة الأمريكية الهيمنة التامة على مواردها .

( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) الأنفال : ٣٠

للموضوع صلة