الثلاثاء - 09 يونيو 2026

إنتقائية في الحديث عن (إبن اللبون) والتغافل عن (ولا أكون كالضبع)..!

منذ شهرين
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

باقر الجبوري ||

في أوقات المحن واضطراب الرؤى يهرع الكثيرون إلى استنطاق التراث بحثاً عن مخرج أو تبرير لمواقفهم التي يتخذونها لتتماشى مع مصالحهم الخاصة، وللأسف فتبرز هنا حكمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الخالدة: “كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ”، كواحدة من أكثر النصوص التي يساء فهمها أو توظيفها لتبرير القعود. فما هي الحقيقة التاريخية لهذه الحكمة؟ وكيف نفصل بين “الاعتزال الشرعي” وبين “التخاذل الخياني” في ظل المواجهة الكبرى اليوم بين محور المقا..ومة وبين المحور االصهيوأمريكي؟

١. ألاصل التاريخي لحديث ( ابن اللبون )!

يعود هذا الحديث الى أعقاب مبايعة الإمام علي عليه السلام بالخلافة عام 35 هـ، وهي لحظة مفصلية انقسم فيها المجتمع إلى تيارات متصارعة:

الاول: فريق يطالب بالقصاص السريع من قتلة عثمان والتقتال بين المسلمين،

الثاني: فريق قرر اعتزال المشهد،

الثالث: فريق يرى ضرورة استقرار الدولة.

في ذلك الجو المشحون بـ (الفتن المشبهة) التي تلبس لبوس الحق وهي باطل، أراد الإمام علي عليه السلام حماية المسلمين بشكل عام وشيعته بشكل خاص من أن يكونوا وقوداً لصراعات عبثية لا تخدم إلا المفسدين الذين كانوا يطلبون الفتنة.

لقد اختار الإمام وهو أمير البلغاء توصيف ( ابن اللبون وهو ذكر الإبل الصغير) بدقة فهو لا يقوى على حمل مقاتل (لا ظهر فيركب)، ولا يعطي لبناً (لا ضرع فيحلب). فكانت الرسالة هنا واضحة: في الفتنة الغامضة، اجعل نفسك بلا فائدة للمفسدين، ولا تكن أداة أو ممولاً لمشاريع تضرب وحدة الأمة.

٢. المغالطة الكبرى: متى نعتزل ومتى نقتحم !!

الخطأ القاتل الذي يقع فيه البعض اليوم هو محاولة سحب هذا النص على صراعات ( الحق البين ) و( الباطل الجلي ). فالإمام علي عليه السلام نفسه الذي قال ( كن كابن اللبون )، هو الذي قال: ( والله لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد )، رافضاً أن يكون مغفلاً يُستدرج بالخديعة حتى يُؤسر.

٣. النتيجة:
* أن الفتنة التي يختلط فيها الحق بالباطل، يكون فيها الاعتزال “إيجابي” لحقن الدماء.
* وأن المعركة الواضحة: التي يتواجه فيها جند الحق مع قوى البغي، يكون الاعتزال فيعا ( سلبياً ) وخيانة، فينطبق قوله ( لا تتركوا الجهاد فتذلوا )

٤. إن الواقع المعاصر الذي نره ونلمسه حالياً ان المعركة بين جبهتان لا ثالث لهما (جبهة الحق) و(جبهة الباطل). وإن محاولة البعض استخدام “ابن اللبون” لتبرير الوقوف على التل في الحرب الحالية هي انحراف قيمي. فنحن لسنا في فتنة غامضة، بل أمام مشهد لايختلف عليه احد:

*. محور الحق بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي قدمت السلاح والمال والدم لنصرة المظلومين في غزة ولبنان، دفاعاً عن الأرض والمقدسات.

* محور الكفر الصهيوني-الأمريكي الذي يمثل قمة الاستكبار، وينشر القتل والدمار والتبعية في المنطقة.

في هذا الصراع، الصمت ليس حكمة، بل هو تمكين للطاغية.

وإن الحق الذي تمثله إيران ومحورها في مواجهة الغطرسة الأمريكية هو حق أجمع عليه شرفاء الأمة، ولم يعد مجالاً للتشكيك أو التأويل.

٥. موقف المرجعية: وهو الفيصل بين الحق والباطل فلقد حسمت المرجعية الدينية العليا هذا الجدل، ولم تترك للمترددين حجة. فمن خلال خطب وكلائها ومواقفها الرسمية، أكدت المرجعية مراراً على ضرورة نصرة القضايا العادلة، ووقفت بوضوح مع محور المقا..ومة، داعمةً بالمال والموقف والفتوى. وما نراه الان من تماهي الموقف الشعبي مع توجيهات المرجعية فهو الرد الحاسم على محاولات ( تجبين ) المجتمع وتخويفه وإرهابه بشعارات الحياد السلبي.

الخاتمة: التاريخ يسجل المواقف

إن الترويج لحديث (ابن اللبون ) مع أنه دعوة لعدم الانقياد للباطل، إلا أنه دعوة لترك نصرة الحق.

والذين يرفضون أن يكونوا (كالضبع) هم أولئك الذين فهموا المخططات الصهيو..نية مبكراً وقرروا المواجهة.

التاريخ لن يرحم المتقاعسين الذين يتسترون خلف النصوص لتبرير جبنهم؛ فالموقف الشريف اليوم هو الانحياز الكامل لمحور الحق (المقا..ومة)، أما المترددون فسيجدون أنفسهم، مهما طال الزمان أو قصر، أدوات تحت أقدام المشروع الأمريكي الذي لا يحترم إلا الأقوياء.

تحياتي .. باقر الجبوري