بين عار الصمت وذل التبرير.. وحين تُباع السيادة ببيانات الاستنكار..!
باقر الجبوري ||

في تاريخ الأمم ثمة لحظات فارقة لا تقبل القسمة على اثنين فإما سيادة تُنتزع بالكرامة أو ذل يُغلف بدبلوماسية خجولة تثير الغثيان.
وما يشهده العراق اليوم على يد ثلة من تجار المواقف ليس مجرد عجز عسكري، بل هو سقوط أخلاقي مريع لطبقة سياسية أدمنت تبرير الصفعات وتنميق الهزائم متناسية قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ( مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا ).
لم يكتفِ هؤلاء السياسيون بالصمت، بل تحولوا إلى (ماكينات رعب) منظمة تستهدف معنويات الشارع العراقي. وخرجوا ببيانات جنائزية تحذر من (خراب البصرة) و(ضياع المكتسبات)، وصوروا المطالبة بحماية الأجواء العراقية وكأنها دعوة لانتحار جماعي.
لقد تعمدوا زرع الجبن في قلوب الناس، وبثوا سمومهم عبر الشاشات قائلين ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)، متناسين أن من وقف معنا في خنادق 2014 حين كان خطر دا..عش على الأبواب، يستحق على الأقل سماءً لا تُخترق لضربه. لقد جعلوا من الحياد قناعاً للاستسلام، ومن حماية السلام عذراً لقبول القتل المجاني.
فصول المسرحية الهزلية بدأت بمحاولة عزل فصا..ئل المقا..ومة وتصويرها كجسم غريب يريد جرّ البلاد إلى الهاوية. لكن الوقاحة السياسية لم تتوقف هنا؛ فحين انتقلت النيران لتلتهم مقرات الحـSHـد الحـSHــعبي وهو المؤسسة الرسمية المعمدة بدماء الشهداء خرج علينا منظرو الانبطاح ببدعة جديدة وهي (الخطأ في التشخيص). فزعموا أن الأخوة الأمريكيين قد التبس عليهم الأمر، وكأن الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي لا يفرق بين ثكنة رسمية وعربة تائهة !!!
و(حين سقط القناع عن القناع) حينما وصلت الوقاحة الصهيو-أمريكية إلى قلب المؤسسة العسكرية الأم (الجيش العراقي) وسقط الشهداء بدم بارد، وبدلاً من أن تُشحن المدافع، شُحنت الأقلام مرة أخرى لكتابة بيانات الشجب والاستنكار المملة، وانتهى المشهد الدرامي بتشكيل لجان تحقيقية مشتركة مع القاتل!
أي هوان هذا !!
أن تجلس مع من يقتل جنودك في لجنة لتسأله: لماذا قتلتنا !!
ليجيبك بعد ساعات بقصف جديد ينسف وقار اللجنة المزعومة وكرامة من شكّلها. إنه استهتار مطلق بالسيادة، يقابله ذل مرتهن لمصالح حزبية ضيقة تخشى على كراسيها أكثر من خشيتها على حدود الوطن.
الخاتمة المؤلمة:
إن هؤلاء الذين يحرفون الحقائق ويجبنون المجتمع بحجة حماية العراق من الحرب، هم في الحقيقة يجرون العراق إلى موت سريري طويل. حينما يشرعنون استباحة الأجواء والأرواح، ويحولون الوطن إلى ساحة رماية مجانية.
لقد أثبتت الأحداث أن القصف لا يفرق بين فصيل وجيش، وأن العدو لا يحترم إلا من يملك إرادة الرد. أما بياناتكم، ولجانكم، وتبريراتكم، فليست سوى صكوك تنازل عن كرامة بلد كان يوماً ما يُرعب أعداءه بمجرد ذكر اسمه.
إن الذي يقبل الضيم وهو قادر على رده !!
لا يستحق الحرية.
تحياتي … باقر الجبوري




