الجمعة - 26 يونيو 2026
منذ 3 أشهر
الجمعة - 26 يونيو 2026

رعد صباح زنكنة ||

 

 

في بيئة اقليمية مشحونة بالتوتر لم يعد القصف الامريكي مجرد حدث عسكري عابر بل تحول الى مؤشر على خلل اعمق في معادلة الردع داخل العراق، المسألة لا تتعلق بضربة جوية هنا او استهداف هناك بل بسؤال استراتيجي اكبر من يمتلك القرار الامني وكيف يمكن حماية السيادة دون ادخال البلاد في حرب مفتوحة لا يمكن التحكم بنتائجها.

الردع في مفهومه الحديث لا يقوم على القوة الصلبة وحدها بل على مزيج من الشرعية السياسية والقدرة المؤسسية والوزن الدبلوماسي، التجارب الدولية تؤكد ان الدول التي تملك قرارا أمنيا موحدا تستطيع تقليل الضغوط الخارجية وبينما الدول التي تعاني من تعدد مراكز القوة تصبح ساحة مفتوحة للضربات الوقائية والرسائل العسكرية، وهنا تكمن المعضلة العراقية حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الحسابات الامنية وتتشابك المصالح الاقليمية مع الواقع الداخلي.

المشهد الحالي يوضح ان اي ردع عسكري مباشر قد يؤدي الى تصعيد واسع لأن ميزان القوة غير متكافئ ولأن امريكا تعتمد على إستراتيجية الضربات المحدودة لارسال إشارات سياسية وأمنية دون الانجرار الى حرب شاملة على ارض واقع و هذا النوع من الصراع لا يحسم بالقوة بل بادارة التوازن، بمعنى اخر الردع الحقيقي يبدأ من بغداد قبل ان يبدأ من الميدان.

القوة في العراق اليوم ليست في عدد الصواريخ او حجم السلاح بل في قدرة الدولة على فرض قرارها وفي قدرتها على تحويل السيادة الى موقف سياسي ودبلوماسي متماسك. وعندما يكون القرار الامني موحداً تصبح اي ضربة خارجية مكلفة سياسيا وقانونيا وعندما يكون الخطاب الوطني متماسكاً تتراجع فرص التصعيد وتزداد فرص الاستقرار.

الاعلام هنا يلعب دورآ محورياً لان معركة الردع ليست عسكرية فقط بل هي معركة سردية ايضا، ومن ينجح في تقديم رواية قوية عن السيادة والإستقرار يستطيع ان يضغط على الرأي العام الدولي ويعيد تشكيل صورة الصراع وهذا ما يجعل الحرب الإعلامية جزءا اساسيا من معادلة الردع الحديثة.

المستقبل القريب يشير إلى أن العراق يقف أمام خيارين واضحين: اما إدارة التوازن بحكمة وتحويل التوتر الى فرصة لتعزيز الدولة او الانزلاق الى دائرة التصعيد التي تستنزف الجميع دون تحقيق مكاسب حقيقية. الخيار الاول يحتاج الى شجاعة سياسية والخيار الثاني لا يحتاج الا الى خطأ واحد.

في النهاية الردع ليس صراع على القوة فقط بل صراع على القرار ومن يملك القرار يملك القدرة على حماية السيادة دون ان يدخل في حرب لا يريدها احد.