انا كافر بدين الوطن..!
الشيخ جمعة العطواني ||

في ظل المعركة المصيرية التي يتعرض لها(سنام )الاسلام المحمدي الاصيل، المعركة التي لا تحتاج الى بصيرة عميقة، او جهد كبير لتشخيص جبهة الحق عن جبهة الباطل، لانها بين الاسلام المحض مقابل الكفر المحض، ينبري بعض(المعممين)، بتوقيت وكأنه متفق عليه، يتحدثون بلغة(فقهية) تذكرنا بلغة فقهاء بني امية.
بعد استماعي لما يقوله هؤلاء(المعممون) قدح في ذهني رسالة الامام زين العابدين عليه السلام وهو يوبخ( محمد بن شهاب الزهري)، احد فقهاء بلاط بني امية، فيقول في مقطع من رسالته(واعلم ان ادنى ما كتمت، واخف ما احتملت، انك آنست وحشة الظالم، وسهلت له طريق الغي، بدنوك منه حين دنوت، واجابتك له حين دعيت).
الى ان يقوا عليه السلام( يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال اليهم، فلم يبلغ اخص وزرائهم، ولا اقوى اعوانهم الا دون ما بلغت من اصلاح فسادهم).
فالحديث عن(دين الوطن) بعيدا عن دين الله، الذي يطالب بالوقوف بوجه الظالمين والكفرة، انما هو تعبير اخر عن معنى رسالة زين العابدين للزهري، وان اضلال الناس بهذا الدين لهو اكبر خدمة تقدم الى المستكبرين والمجرمين.
فالعدو لايريد منا غير الحياد في معركة الحق مع الباطل. واصحاب( كن في الفتنة كابن اللبون)، او( ان المعركة الحالية اشبه بمعركة الزبيرين والامويين)، او (اصحاب تقزيم الدين بالوطن)، انما هو تعبير اخر لاضلال الناس وخدمة الكفرة والمجرمين.
هذا النمط من المعممين يريدون ان يجلببوا دنياهم وسلامتهم بجلباب فقهي اسمه(الوطن)، والمعيار الفقهي عندهم يدور حيث يدور الوطن، واي وطن؟.
هو الوطن الذي حدده الاستعمار الحديث بعد الحرب العالمية الاولى، فلم تكن هذه الاوطان لها اي وصف فقهي قبل الحرب واحتلال بريطانيا للعالم الاسلامي، وبالتالي ليس له احكام في فقه الاسلام، وبخاصة فقه ال رسول الله .
الوطن الفقهي، هو المكان الذي تسكن فيه، وهو مناط الاحكام الفقهية التي على ضوئها تصب احكام مثل صلاة القصر والتمام، والصوم والافطار وهكذا.
اما الوطن الذي يريد ان( يجتر) له هؤلاء احكاما على مقاسات الجغرافية التي فرضتها اتفاقيات سايكسبيو، هو ذلك الوطن الذي يراد له ان يحل محل الدين، وهو يساوق اي وطن يكُنّ العداء لدين الله.
عندما يكون الوطن هو مناط الاحكام، وهو مناط الحق والباطل، عندها سنتبرا من دين الله الحق، ونبتدع دينا جديدا تدور احكامه مدار ذلك الوطن.
على اساس هذا الدين(الوطني)، عندما يتعرض اتباع اهل البيت في لبنان او ايران الى عدوان من كافر او مرتد صهيوني او امريكي، فالشيعي العراقي غير معني بهم، لان دينه(الوطني) محدد بجغرافية ليس اكثر.
ووفق نظرية(الدين الوطني)، يكون قول رسول الله ( من اصبح لا يهتم بامور المسلمين فليس منهم، ومن سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم)، يكون هذا الحديث منسوخا ب(دين الوطن)، لان احكام دين الوطن ليست عابرة لحدوده الجغرافية.
ووفق مبدا(دين الوطن)، يجب ان نناى بانفسنا عن صراع الحق مع الباطل، لان ديننا الوطني لايسمح بذلك، لان معيار الحق والباطل يدور مدار الجغرافية وليس مدارالحق والباطل حسب الوصف القراني.
ان من يتصور ان معركة الحق المحض بين اتباع اهل البيت في المنطقة، وبين اعداء الله لا تختلف عن معركة الزبيرين مع الامويين لهو ضلال لا يدانيه ضلال، وانحراف لا يدانية انحرف، بل انه يساوق موقف(حياد )انظمة الخليج من الحرب المقدسة.
كما ان شعار(كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب) يساوق موقف بعض اصحاب امير المؤمنين الذين قال عنهم( انكم لم تنصروا الباطل لكنكم خذلتم الحق).
بل ان اصحاب شعار( التقية ديني ودين ابائي) في عصر لا يوجد موضوع لحكم التقية في وضعنا في العراق، فنحن ولله الحمد نعيش بنعمة الحرية، وبنعمة الانتصار على اعداء اهل البيت، وبنعة تصدي شيعة العراق في المشاركة السياسية واصحاب قرار فيه، اقول ان اسقاط هذا المبدأ الاسلامي على ظروف ليست ظروفه انما يعبر عن(غيبوبة) سياسية فضيعة، فلازال هذا البعض يعيش عقدة حكم وجبروت البعث، ومن كثرة ترديد هذا المبدا في ذلك العصر اصبح حزءا من ثقافته السياسية .
اما الدين الحق الذين اتعبد به الله تعالى، هو الدين الذي تاسس على جهاد وجهود ومداد علمائنا ومراجعنا، بل ودماء مراجعنا الذين قدموا ارواحهم قرابين من اجل ان ندافع عن الحق وندفع الباطل.
ديني هو دين سيد الشهداء الذي خرج من وطنه(الفقهي) الى العراق، وهو يهتف( الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة).
ديني هو دين علي بن ابي طالب الذي اوصى به سبطي رسول الله (كونا للظالم خصما وللمظلوم عونا)، الظام اينما كان، والمظلوم اينما.
ديني الذي يوجب عليّ اطاعة نائب الامام المعصوم، والولي الفقيه في زمن الغيبة دون النظر الى جغرافيته او انتمائه القومي.
هذا الولي الفقيه المفترض الطاعة، بناءا على اجماع خيرة مراجعنا وعلمائنا، ويكفي ان نقتبس نصا من راي المرجع الاعلى السيستاني المفدى الذي يقول:
(ولاية الفقيه فيمن تثبت له، ومواردها لا تتحدد ببقعة جغرافية).
فمن ايةِ (ملّة )هذا المعمم او ذاك، الذي يريد ان يقزم فقه ال رسول الله على جغرافية ويصب احكامه عليها، بل ما هي مصادر الاحكام لديه تلك التي تتحدث عن دين(الوطن)؟. فهل في كتاب الله او سنة رسوله او عترته الطاهرة حرفا فقهيا واحدا يتحدث عن حدود(سايكسبيكو)، ما انزل الله بها من سلطان؟.
اكثر من هذا، فان المرجع الاعلى السيستاني يوجب على المراجع ومقليدهم باطاعة الولي الفقيه في الاحكام التي يصدرها، فاي عمامة اعظم من عمامة السيستاني لتبتدع دينا اسمه(دين الوطن)؟.
نعم ان هؤلاء المعممين يمثلون وعاظا لبعض الزعامات السياسية، والتي لاذت خلف اصبعها، وتوسلت باشباه المتعلمين ليجدوا لهم تخريجة (فقهية) ليتمترسوا بها امام خيباتهم، ومواقفهم المخزية، في معركة الحق مع الباطل.
هؤلاء نسخة معاصرة من محمد بن شهاب الزهري ليس اكثر.




