في آل عمران: 122..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: “إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ” ﴿آل عمران: 122﴾
تشير هذه الآية الكريمة إلى حالة التردد التي انتابت بعض المسلمين في الذهاب إلى ملاقاة العدو من المشركين في معركة أحد، تلك المعركة التي بادر إليها المشركون انتقامًا لهزيمتهم في معركة بدر الكبرى، والتردُّد حصل من طائفتين (جماعتين) وهما:
بنو سَلِمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكان ذلك بتأثير من حركة النفاق بقيادة عبد الله بن أُبيِّ بن سَلول، فعندما خرج المسلمون لملاقاة المشركين في أُحُدٍ انسحب هذا الأخير ومعه نحو ثلثِ الجيش،
ويبدو أن ذلك كان بتواطؤ مع المشركين أنفسهم لإحداث بلبلة في صفوف المسلمين، وهذا ما حصل بالفعل، إذ أحدث ذلك صدمة نفسية لديهم، ففكرت تلكما الطائفتان بالتراجع والانسحاب أيضًا، ولكن الله تعالى صرفهما عن ذلك القرار، وأدركهما بعنايته وتسديده، وثَبَّتهما على مواصلة الطريق مع رسول الله (ص) لملاقاة العدو.
لقد كانت تلك لحظة تواطؤ من المنافقين المندسين في صفوف المسلمين من جهة، والذين كانوا يؤدون دورًا خطيرًا في إضعاف الحالة المعنوية للمسلمين ويثيرون فيهم الشبهات والنعرات، ويثبّطون العزائم، ولحظة ضعف راودت بعض المؤمنين تأثُّرًا بالمنطق الذي كان يسوِّقه المنافقون، فكاد هؤلاء من الطائفتين أن يفشلوا ويرجعوا القهقرى، ويتخلَّفوا عن ركب رسول الله (ص).
الملفت هنا، وهذا من مصاديق التدخل الرباني إلى جانب المسلمين ورعايته لهم، وحفظهم، والدفاع عنهم، ومواكبتهم في الصغير والكبير من أمورهم، فلقد كشف الله تعالى عن المخبوء من مكنون ضمائر الطائفتين، والذي لا يعلمه إلا الله والطائفتان، فوقاهم الله من التأثر بتلك الحملة النفسية التي قادها المنافقون، ودفع عنهم وساوسهم، وأيدهم بولايته، فمضوا مع رسول الله (ص)، وأنقذوا أنفسهم من التخلُّف عن ركبهم ومن أن يكونوا ألعوبة بيد حركة النفاق.
ومِمَّا لا شكَّ فيه أن القرآن الكريم، -وهو الكتاب الذي يُتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والكتاب الذي يصنع الإنسان على عين الله، -لم يذكر لنا هذه الحادثة كقصة نتسلَّى بها، أو كحدث يؤَرَّخ ويحفظ من الضياع والنسيان، أبدًا، فالقرآن ليس كتاب تاريخ، بل هو يذكر الحوادث والقصص بهدف الاعتبار،
أليس يقول تعالى: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ…”﴿يوسف: 111﴾.
إن الإنسان، قارئي الكريم، هو هو في ماضيه وحاضره ومستقبله، في نقاط قوته وفي نقاط ضعفه، وفي وعيه وبصيرته، وفي غبائه وحمقه، فمنهم من تنطلي عليه الحيَل، ويتأثر بالدعاية، ويستسلم للقيل والقال من هناك وهناك، ومنهم من يتمتع ببصيرة نافذة، ووعي عميق ويقين بما يؤمن به، وما هو عليه من خيار،
ولذلك يضرب الله لنا الأمثال ويقص علينا القصص كي نستفيد منها ونعتبر بها، فنعرف كيف نتعامل مع ما حدث مع الأولين الماضين، فنكون على حَذَرٍ من حركة النفاق في أوساطنا، وعلى حَذَرٍ من الإعلام المعادي، والإعلام الذي يقدِّم نفسه ناصحًا وحريصًا علينا، وعلى حَذَرٍ من السياسيين الانتهازيين، وعلى حذر من الذين تستبدّ بهم العقلية الانهزامية والخوف المبالَغ فيه، وعلى حذر من المترددين الذين يجبنون عن اتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، ويخشون دفع الأثمان الضرورية للخيارات الضرورية.
سحر يوم الإثنين الواقع في: 16/3/2026 الساعة (04:11)




