الثلاثاء - 09 يونيو 2026

قال تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ..!

منذ 3 أشهر
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: “إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ” ﴿آل عمران:120﴾.

جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن الموقف النفسي والسياسي لأعداء المسلمين من المنافقين والكفار الذين كانوا يحيطون بالمجتمع المسلم في المدينة، فهؤلاء جميعًا بلغ بهم الحِقد والغِلُّ أن يغيظهم كل خير يصيب المؤمنين، ويسُرُّهم كل شَرٍ ينال منهم، ما يكشف عن مدى السقوط من مشارف الإنسانية العالية إلى الحضيض، إلى ما دون الحيوانية، والقرآن الكريم يستعمل كلمة في منتهى البلاغة للإشارة إلى ذلك الغل المتأصِّل في نفوسهم، حيث قالت الآية: “إِنْ تَمْسَسْكُمْ” ولم تقل إن تصبكم، مِمّا يعني أن أولئك الحاقدون المبتلون بالحقد والغِل المَرَضيَّين، يغيظهم أقل خير يناله المؤمنون، ويُفرحهم أدنى شَرٍ يصيبهم، فكيف لو أصاب المؤمنين خير كثير، أو شَرٌ كثير؟!

هذا الصنف من الناس لا يقتصر على أولئك الذين تتحدث الآية الكريمة عنهم، أولئك الذين عاصروا رسول الله (ص)، بل نجد هذا الصنف حاضرًا بقوة في زماننا هذا، نعرف أشخاصهم، ونعرف منطقهم، فهم يعيشون بين ظهرانينا، ونرى حقدهم المَرَضيَّ الذي لا يشفيه إلا أن يجدونا متألِّمين أو مَكلومين، وإنهم لتأخذهم النشوة العامرة حين يشاهدون دورنا تُهدم وأبناءنا يُجرحون ويُقتَلون، حتى يبلغ بهم حِقدهم هذا أن يتشَفُّوا بنا، ويشمَتوا بشهدائنا وكل خسارة تصيبنا، يفعلون ذلك دون شعور بالخجل والعيب.

ألا ما أخَسَّ الإنسان وأحقره، حين يتعرّى من مشاعر الإنسانية، وتشتمل عليه طباع خبيثة، أو نَفَس شيطان رجيم! بل ما أخس الإنسان و أحقره، حين ينسلخ من ثوب بشريته، بل حيوانيته، حتى إنَّ الصخر الجَلمَد لا يكون منه ذلك.

الحق قارئي الكريم أن هؤلاء ليسوا أعداءً ولا أخصامًا لنا وحسب، بل هم أعداء أنفسهم، فحقدهم وغِلُّهم قاتلهم ولو بعد حين، أما نحن فلا يُضيرنا ذلك، وإِننا لنحزن عليهم أن ينحدروا إلى هذا الدرك العميق الذي لا قوة بهم للخروج منه، والذي يزداد عمقًا مع الأيام، إلا أن تُدركهم رحمة الله، والله لا يرحم من هو على حالهم.

أمّا كيف يجب أن نتعامل مع هذا الصِّنف من الناس، فقد أجابت الآية الكريمة على ذلك، وبيَّنت لنا أن الأسلوب الأمثل، وهو أن نصبر على ذلك فلا ننفعل، ولا نلتهي بهم وبالردِّ عليهم، لا نسمح لهم أن يصرفونا عن الاهتمام بما هو أولى لنا وأهم، فنمضي في شأننا، ونتابع سيرنا نحو غاياتنا وتحقيق أهدافنا، وننساهم كما نسوا أنفسهم، ونتركهم إلى أحقادهم تشب نيرانها في نفوسهم فتحرقهم من داخلهم، فإنه لا شك أن حقدهم يرجع عليهم، كما أن الحسد ترجع آثاره على الحاسد نفسه.

ونتقي الله، نخافه وحده، ونرهبه وحده، ونرجوه وحده، نكون حيث يأمرنا أن نكون، ونجتنب ما ينهانا عنه، ونلتزم بمعاييرنا الأخلاقية التي يرضاها.

وبالصبر والتقوى لا يضرُّنا كيدهم ومكرهم، ولا يعني ذلك ألا نُصاب بأذى من خسارة أرواح أو مال، ولكن كيدهم لن يبلغ الضرر الحاسم بِنا، والهزيمة النهائية وسقوط المشروع الذي نتبناه ونعمل على تحقُّقه.

سحر يوم الأحد الواقع في: 15/3/2026 الساعة (04:05)