الجمعة - 21 اغسطس 2026

•• الحرب والتحولات في صناعة الرأي العام الاميركي..!

منذ 5 أشهر
الجمعة - 21 اغسطس 2026

°° عبد الجليل الزبيدي ||

يصف بعض الباحثين ، النظام الأمريكي بأنه سوق للأفكار السياسية حيث تتنافس قوى مختلفة للتأثير على عقل المواطن.

وتلخص دراسات اجتماعية وصف المواطن الاميركي على انه عبارة عن (قطعة خشبية تتجاذبه الامواج ) وذلك في معرض تشبيه تأثر المتلقي الاميركي بوسائل الاعلام .

وعلى الرغم من حساسية الشعب تجاه الحروب ، إلا ان غالبية الحروب السابقة حظيت بتأييد واسع بحسب استطلاعات الرأي ومواقف الكونغرس ،بعد ان تمارس مؤسسات التأثير السياسية والاعلامية دورها في توجيه قناعات الاميركيين .

ويتشكّل الرأي العام الجمعي في الولايات المتحدة عبر عملية معقّدة تتداخل فيها عدة قوى: الإعلام، الأحزاب السياسية، مراكز الأبحاث، الجامعات، وسائل التواصل الاجتماعي، والمصالح الاقتصادية. لذلك لا يتشكل الرأي العام بطريقة عفوية فقط، بل عبر شبكة مؤسسات مؤثرة.

إذ تلعب وسائل الإعلام الكبرى دوراً محورياً في تحديد القضايا التي يفكر فيها الناس وهو ما يسميه علماء السياسة (تحديد الأجندة الإعلامية).
كما تتأثر عملية بلورة الرأي الجمعي بوسائل اخرى لا تقل تأثيرا عن محطات التلفزة مثل:

-المنصات الرقمية
-الاحزاب
-القادة
-لعبة استطلاعات الرأي

لكن المؤثر الاكبر والذي يقف خلف تلك الوسائل ، يتأتى من اللوبيات عبر دعمها المالي لعدد من وسائل الاعلام وكذلك من خلال دعم السياسيين ومراكز الدراسات .

ومن ابرز هذه اللوبيات : منظمة ايباك ومنظمة (N R A ) والجمعيات المرتبطة بالمجمع الصناعي – العسكري .
لكن التطور في مجال الاعلام الرقمي في السنوات الاخيرة ، قد ساهم في إضعاف تأثير الاعلام التقليدي والتقليل من دعم اللوبيات في توجيه وصناعة الرأي العام حيث بات اكثر من 70٪ من الأمريكيين يحصلون على الأخبار عبر الإنترنت ومن خلال مواقع واسعة الانتشار مثل موقع ( The Intercept ) و ( Democracy Now ).

هذه المصادر المتحررة ساهمت في جعل العلاقة أكثر تعقيدا بين المواطن والسياسة وبالتالي تراجع الثقة بمصادر التأثير وأبرزها خطابات السياسيين والمؤسسات الرسمية وتلك المرتبطة بالاحزاب والتيارات السياسية .

وفقا لأستطلاعات الرأي المستقلة ، فإن أقل من 40٪ من الأمريكيين باتوا يثقون بالإعلام الوطني الى جانب تزعزع المصداقية بنسبة 55% بما يقوله ويصرح به المسؤولون السياسيون .

هذه المتغيرات احدثت تطورا لافتا في اتجاهات تأييد القرارات الكبرى مثل الحرب الحالية ضد ايران ، إذ تؤكد الاستطلاعات ان التأييد للحرب قد تراجع من 62% في حرب حزيران يونيو من العام الماضي الى 46% حاليا .

إن المتغير الحاسم الذي عزز استقلالية آراء المواطن الأميركي هو ظهور نخبة من المستقلين المتحررين في مجالات الاعلام والفكر والسياسة والعمل المنظماتي الجماعي .

اليوم تحول التأثير الى عدد من الإعلاميين والمفكرين والناشطين الأمريكيين الذين عبّروا بوضوح عن رفضهم لأي حرب أمريكية ضد إيران، سواء من منطلقات سياسية أو أخلاقية أو قانونية ، وبات متاحا للمتلقي الأميركي ان يستمع الى آراء اعلاميين امثال : تاكر كارلسون وكريس هيدجز وكلن گرينوالد

وماكس بلومنثال الذين يقدمون تحليلا وطنيا لتوجهات ادارة الرئيس ترامب سواء في خيانتها للوعود الانتخابية ، أم في خضوعها لتأثيرات اسرائيل والمنظمات الدينية الصهيوصلبية الانگليكانية التي لم تتردد في وصف الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران بانها حرب ( دينية مقدسة مطلوبة لعودة المسيح الى الارض ) .!

وفي هذا السياق برز مفكرون امثال : جون ميرشامر وستيفن والت ، وستيف بانون ليقدموا تحليلا اكثر عمقا ، يفند فكرة الحرب الدينية .

مساحة ألآراء الوطنية المستقلة في المجتمع الاميركي ، امتدت الى ظهور ناشطين فاعلين ومؤثرين تتصدرهم الناشطة تالس گابارد ومنظمة ( كود پينك ) ومهمتهم نقل الصور المأساوية التي خلفها الدعم الاميركي في الحرب على سكان قطاع غزة وايضا ما يسفر من انتهاكات خطيرة في الحرب على ايران .

ان التحولات في آليات صناعة الرأي العام في المجتمع الاميركي ،قد شكلت حالة استقطاب واسعة ، دفعت شبكات تلفازية وصحف نحو تعديل مواقفها تجاه سياسات الرئيس ترامب ، فبالإضافة الى التغيير في السياسة التحريرية الذي أجرته شبكة ( C N N ) ، رأت ادارة شبكة ( M S N B C ) انها ينبغي ان تجامل اغلبية جمهورها المندد بسياسات البيت الابيض، وهو ما اقدمت عليه ايضا صحف مثل نيويورك تايمز ولوس انجلس تايمز على الرغم من تلقي الصحيفتين دعما تقليديا ( على شكل إعلانات ) من شركات مقربة من اللوبي الصهيوني .

ويبقى العامل الاكثر نجاحا في خطاب النخب والجمعيات ووسائل الاعلام المستقلة هو توضيح مقدار ما تستنزفه قرارات الرئيس ترامب من الدخل الشهري للمواطن الاميركي والتبديد بالاموال العامة التي مصدرها دافعو الضرائب وذلك في ضوء ارقام كبيرة بدأت تتكشف عن حجم الانفاق لتمويل الحرب التي تبين تماما في الرأي العام الاميركي انها تجري بالنيابة عن اسرائيل .