ليلة الواحد والعشرين… رفقاً بقلوب الموالين..!
علي جاسب الموسوي ||
١١/٣/٢٠٢٦

في كل عام، حين يقترب فجر الواحد والعشرين من شهر رمضان، يخيم على قلوب الموالين حزن لا يشبه سائر الأحزان؛ كأن الزمن يعود فجأة إلى تلك الليلة الثقيلة التي انطفأ فيها في الأرض سراج من أعظم سرج العدالة … إنها الليلة التي عرجت فيها روح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بارئها، بعد أن نزف محراب الكوفة ثلاثة أيام من جرح أراد أن يطفئ نور الولاية، فإذا به يوقظ ضمير التاريخ كله.
في هذه الليلة لا نبكي رجلاً عظيماً فحسب، بل نبكي ميزاناً للحق كان إذا مال الناس أقامه، وإذا ضلوا الطريق ردهم إلى سواء السبيل. كان علي عليه السلام صورةً حيةً للعدل الذي أمر الله به في كتابه حين قال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، وكان التجسيد العملي لقوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) لذلك لم يكن استشهاده مجرد حادثة في التاريخ، بل كان زلزالاً أخلاقياً كشف مقدار ما تستطيع السياسة المنحرفة أن تفعله حين ترى في العدالة خطراً على سلطانها.
لقد سقط أمير المؤمنين في محرابه وهو قائم بين يدي الله، وكأن القدر أراد أن يكتب هذه الحقيقة الخالدة: أن علياً عاش لله ومضى إلى الله، وأن حياته كلها كانت صلاةً ممتدة بين محراب العبادة وميدان الجهاد … ومن هنا بقيت كلمته الخالدة ترن في آذان المؤمنين: (فزت وربّ الكعبة) … كلمة لم تكن تعبيراً عن انتصار شخصي، بل إعلاناً بأن طريق الحق لا يُهزم حتى لو غاب حاملوه عن هذه الدنيا.
وحين كانت ساعاته الأخيرة تقترب، لم ينشغل أمير المؤمنين بجرحه ولا بقاتله، بل انشغل بالأمة التي تركها خلفه … خرجت من بين شفتيه وصية أصبحت من أعظم مواثيق العدالة في تاريخ الإسلام … أوصى الحسن والحسين عليهما السلام بتقوى الله، وبأن يكونا خصمين للظالم وعوناً للمظلوم، وكأنما أراد أن يلخص فلسفة الحكم كلها في هذه الكلمة: أن يقف الإنسان مع الحق حيث كان، لا مع القوة حيث تكون.
ثم ارتفع صوته بتلك الوصية التي بقيت نبضاً إنسانياً في ضمير التاريخ: ( الله الله في الأيتام فلا تُغِبّوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم) … كانت هذه الكلمات إعلاناً واضحاً أن الإسلام الذي حمله علي ليس دين الشعارات، بل دين العدالة الاجتماعية التي تجعل الفقير شريكاً في الحياة لا متسولاً على أبواب الأغنياء … ولذلك كان الإمام يجوب شوارع الكوفة ليلاً يحمل الطعام للأيتام، لا بصفته حاكماً يمن عليهم بعطائه، بل بصفته عبداً يخشى أن يسأله الله عن جائع نام في دولته.
ومن يتأمل هذه الوصية اليوم يدرك أن رسالة أمير المؤمنين لم تكن محدودة بزمنه، بل كانت مشروعاً حضارياً ممتداً عبر العصور. فالصراع الذي واجهه علي في زمانه بين العدل والسلطة لم ينته، بل تبدلت وجوهه وأشكاله … وما زالت الأمة ترى في كل عصر قوى تحاول أن تخضع الشعوب وأن تطفئ صوت العدالة، مستخدمةً أدوات الهيمنة السياسية والعسكرية والإعلامية … وقد أشار القرآن إلى هذا الامتحان المستمر حين قال: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).
ومن هنا ظل خط الولاية الذي بدأ مع أمير المؤمنين حاضراً في وجدان المؤمنين جيلاً بعد جيل … فكما وقف علي في وجه الانحراف دفاعاً عن الإسلام المحمدي الأصيل، وقف عبر التاريخ رجال حملوا تلك الراية، يواجهون الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، ويؤكدون أن رسالة العدالة لا يمكن أن تموت …
وفي العصر الحديث رأى كثير من أبناء الأمة في نهضة الإمام روح الله الخميني قده محاولةً لإحياء هذا الخط في مواجهة الاستكبار والهيمنة، ثم استمر هذا المسار في وجود خطاب السيد علي خامنئي طاب ثراه الذي دعا إلى مقاومة الظلم والدفاع عن كرامة الشعوب، ويرى أنصار هذا النهج أن هذه المسيرة تمضي اليوم في قيادات أخرى تحمل راية الاستقلال والعدل.
إن ما تعيشه الأمة اليوم من صراعاتٍ وحروب وضغوط سياسية واقتصادية يعيد إلى الأذهان صورة ذلك الصراع القديم بين مشروع العدالة ومشروع الهيمنة … فالقوى التي تسعى إلى السيطرة على مقدرات الشعوب، وإلى فرض إرادتها على العالم الإسلامي، إنما تعيد بأشكال جديدة تلك المواجهة التي بدأت منذ الأيام الأولى بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله .. غير أن دروس التاريخ تقول إن الرسالة التي رُويت بدماء الصالحين لا تموت، بل تتحول إلى وعي متجدد في ضمير الأجيال.
ولذلك فإن ليلة الواحد والعشرين ليست مجرد ليلة حزن، بل ليلة عهد متجدد مع وصية أمير المؤمنين … عهد بأن تبقى العدالة معياراً للحكم، وأن يبقى الدفاع عن المظلومين واجباً أخلاقياً، وأن يبقى الفقراء والأيتام في قلب الاهتمام كما أراد علي … فالأمة التي تحفظ هذه الوصية في ضميرها لا يمكن أن تُهزم، لأنها تحمل في داخلها روح الرسالة التي عاش من أجلها الإمام.
وهكذا، حين يطلع فجر الواحد والعشرين من رمضان كل عام، يهمس المؤمنون لليل المثقل بالحزن: يا ليلة الواحد والعشرين، رفقاً بقلوب الموالين … فقد كان جرحك عظيماً، وكان فراق علي فاجعةً لا يخففها الزمن .. لكن العزاء أن تلك الروح التي عرجت من محراب الكوفة لم تترك الأمة بلا نور، بل تركت لها وصيةً تمضي معها في الطريق، حتى يتحقق وعد الله الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله بأن يبعث في آخر الزمان من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً … يومها سيدرك العالم كله أن الدم الذي سال في محراب الكوفة ليلة الواحد والعشرين لم يكن نهاية العدالة، بل كان بداية الطريق الطويل نحو اكتمالها.




