الضربة التي جرحت التاريخ وأيقظت مسيرة الولاية..!
علي جاسب الموسوي ||
١٠/٣/٢٠٢٦

حين يقترب فجر التاسع عشر من رمضان، لا يكون الليل مجرد زمنٍ عابرٍ من ليالي الشهر الكريم، بل يتحول إلى محطةٍ كونيةٍ تتلاقى فيها السماء مع التاريخ، وتتجلى فيها أعظم مآسي العدالة في الإسلام. ففي تلك اللحظة التي كان فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قائما في محراب الصلاة، خاشع القلب بين يدي ربه،
انطلقت ضربة الغدر لتشق رأس العدالة في الأرض، فامتزج دم الإمام بتراب المسجد، وارتفع صوته الخالد معلنًا الحقيقة التي لم يفهمها إلا العارفون: (فزت ورب الكعبة) ..
لم يكن ذلك النداء تعبيرا عن لحظة موت، بل إعلانًا عن انتصار المعنى على السيف، وعن خلود الرسالة التي يحملها أولياء الله في مواجهة الظلم والطغيان.
لقد كان علي عليه السلام يمثل في وعي الإسلام الأصيل وحدة نادرة بين العبادة والسياسة، بين المعرفة والجهاد، بين محراب الصلاة وميدان القتال.
ولذلك لم يكن استهدافه استهدافًا لشخصٍ فحسب، بل كان استهدافًا لمشروع العدالة الإلهية في الحكم. ومن هنا نفهم دلالة قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) ، وهي الآية التي رأى المفسرون أنها نزلت في علي عليه السلام حين بات على فراش النبي ليلة الهجرة، إذ قدّم نفسه قربانًا لحفظ الرسالة. فكان علي منذ بدايات الدعوة مثال الإنسان الذي يجعل حياته كلها وقفًا لله وللقضية التي يحملها.
وعندما نتأمل في مسيرة التاريخ، ندرك أن خط الولاية لم يكن يومًا طريقًا ممهّدًا بالسلامة، بل كان دائمًا طريق الابتلاء والصبر. فمن محراب الكوفة حيث سال دم علي عليه السلام، إلى كربلاء حيث قُدِّمت دماء الحسين وأهل بيته قربانًا لبقاء الإسلام، ظل هذا الخط يسير عبر القرون حاملاً عبء المواجهة مع الطغيان في كل زمان. ولذلك فإن الولاية في معناها العميق ليست مجرد منصبٍ سياسي أو سلطةٍ زمنية، بل هي تكليفٌ ثقيلٌ بحفظ الدين وصيانة الأمة والدفاع عن المستضعفين.
في زماننا المعاصر تتجدد هذه المعاني بأشكالٍ مختلفة. فالمواجهة لم تعد بالسيوف وحدها، بل أصبحت ميادينها متعددة: حصارٌ اقتصادي، حربٌ إعلامية، ضغوطٌ سياسية، وصراعاتٌ دولية تحاول كسر إرادة الشعوب الحرة. وفي قلب هذه العواصف يقف رجالٌ حملوا ميراث الصبر الذي حمله علي عليه السلام، يدافعون عن استقلال الأمة وكرامتها، ويواجهون قوى الاستكبار بعقلٍ صابرٍ وروحٍ مؤمنة.
إن الصيام في رمضان، في هذا السياق، ليس مجرد عبادة فردية، بل هو مدرسةٌ روحية تعلّم الإنسان كيف ينتصر على ذاته أولاً، ليكون قادرًا على مواجهة الظلم في العالم من حوله. ولهذا جاء في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) ، لأن الصبر والصلاة هما العمودان اللذان تقوم عليهما روح المقاومة والثبات في وجه المحن.
ومن هنا يصبح التأمل في ليلة ضرب أمير المؤمنين درسًا للأمة كلها؛ درسًا في أن طريق الحق لا يُقاس بطول العمر ولا بسلامة الجسد، بل بصدق الموقف وثبات العقيدة … فكم من إنسانٍ عاش طويلًا ولم يترك أثرًا، وكم من شهيدٍ أو صابرٍ صنع بدمه أو بصبره تاريخ أمة كاملة.
وهكذا تظل ليلة التاسع عشر من رمضان علامةً خالدة في الوعي الإسلامي، تذكّرنا بأن العدالة قد تُضرب بسيف الغدر، لكنها لا تموت، وأن الدم الذي سال في محراب الكوفة لم يكن نهاية قصة، بل بداية مسيرةٍ طويلة من الجهاد الفكري والروحي والسياسي. مسيرةٍ تمتد عبر القرون، وتحملها أجيالٌ من المؤمنين الذين يدركون أن الولاية عهدٌ إلهي، وأن رايتها ستبقى مرفوعة ما بقي في الأمة رجالٌ يعرفون معنى التضحية في سبيل الحق.
https://t.me/alichasib4




