قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ..!
✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿البقرة: 216﴾.
لقد فطر الله الإنسان على حُبِّ أشياء وعلى كُره أشياء، كمثال على ذلك إنه ليحب الكمال ويسعى إليه، ويحب الخلود ويطلبه، ويحتاج إلى الشعور بالأمان ويبذل من أجله جميع ما يملك، وفي المقابل فهو يكره النقص ويأباه، ويكره الفناء، ويكره الخوف والقلق، ويكره القتال، وهو ما ذكره الله تعالى في الآية الكريمة المتقدمة،
هذا الكُره فطري في الإنسان، والإسلام يحسب حساب الفطرة، ولا يصادمها أبدًا، ويتَّسِق في عقيدته وشريعته معها، وبالتالي لا يُحرِّم على الإنسان المشاعر الفطرية، فالقتال مكروه للإنسان، ومكروه للمسلم أكثر من سواه لأن دينه قائم على السلام، وتحيته قائمة على السلام، ويدعوه إلى إفشاء السلام.
ولكن ما عساه يفعل إذا ما فُرِضَت عليه الحرب؟! وماذا تقول له فطرته حين يُعتَدى عليه؟! هل يفرُّ من مواجهة عدوه؟ أم يستسلم لظالمه، ويرضى أن يعلو جبينه الذُّل والهوان؟
الحق أن الفطرة التي تكره القتال، هي ذاتها تأمره بالقتال دفاعًا عن نفسه وماله وعِرضه وأرضه وبلاده، وهنا أيضًا ينسجم الإسلام مع الفطرة فإنه يرى أن القتال ذَودًا عن حياض الوطن والنفس والمال والعِرض فريضة شاقة، ولكنها فريضة واجبة الأداء، لأنها خَيار من لا خَيار له، إذ لا خيار سواها سوى الذُّل والهوان والصّغار، والقتال فيه الخير الكثير للفرد والمجتمع.
الآية الكريمة تسلِّط الضوء على هذا الخير، فتقرر أن فريضة القتال شاقة، ولكن وراء القتال حكمة تهوِّن مشقته، وتحقِّق به خيرًا مخبوءًا قد لا يراه النظر الإنساني القصير والمستعجل، فما أكثر ما يكون وراء المكروه من خير، ووراء المحبوب من شر، والإنسان ابن لحظته لا يعلم من الغيب شيئًا، بل لا يحيط بالأمور المشهودة له،
فنظره يقتصر على زاوية محدَّدة ولا ينظر إليها من جميع الزوايا، وأمّا الله تعالى العليم بجميع الوقائع والعواقب المستورة عن الإنسان، هو الذي يعلم الخير الذي يستبطنه الشر، والشر الذي يستبطنه الخير.
ومِمّا لا شك فيه أن المؤمن حين ينعقد قلبه على هذه العقيدة، ويرى أن ما يراه شاقًا قد يحمل إليه الراحة الدائمة، وما يراه شرًا قد يأتيه بالخير الكثيره، تهون المشقة عليه، وتنفتح نوافذ الأمل والرجاء في قلبه، فينهض إلى أداء تكليفه بعزم قوي وإرادة لا تلين، ورِضًا بالنتائج أيًا تكن.
وإذن: فالآية الكريمة تعترف بطبيعة الإنسان التي تكره الحرب والقتال، لما فيهما من تعريض النفس للخطر، وفراق الأحبة، وخسارة الأموال، والموت، لكنها تذكر لنا قاعدة عامة كبرى نفهم على ضوئها أحداث الحياة، وهي: عسى أن نكره شيئًا وهو خير لنا، وعسى أن نُحِبَّ شيئا وهو شَرٌ لنا، لأن المصالح الواقعية غالبًا ما تخفى علينا، بسبب قصورنا.
إن ذلك يقتضي ألا يثق المرء بميوله الشخصية، فليس كل ما نريده خيرًا لنا، وألّا يحكم على الأحداث من ظاهرها، وأن يُسلِّم لحكمة الله تعالى، ويصبر على الآلام مهما كبُرت لأنها ستنقضي وتتمخَّض عن المصلحة الواقعية.
سحر يوم الثلاثاء الواقع في: 10/3/2026 الساعة (04:00)




