السبت - 15 اغسطس 2026

الشرق الأوسط بين الحرب وإعادة التشكُل: سيناريوهات المرحلة القادمة..!

منذ 5 أشهر
السبت - 15 اغسطس 2026

طه حسن الأركوازي ||

لم يعد التصعيد العسكري والسياسي في الشرق الأوسط مُجرد حدث عابر في سجل الأزمات الإقليمية ، بل يبدو جُزءاً من تحوّل أوسع يُطال بُنية النظام الدولي وتوازناته ، فالتوتر المُتصاعد بين الولايات المتحدة وأسرائيل ضد إيران ، وتزايد الحشود العسكرية في محيط الخليج ، واتساع رقُعة الخطاب السياسي التحذيري داخل المنطقة ، كُلها مُؤشرات تدفع كثيراً من مراكز الدراسات الاستراتيجية إلى التعامل مع المرحلة الراهنة بأعتبارها لحظة مفصلية قد تُعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات .

وفي خضم هذا المشهد المُعقد برزت تصريحات وتحذيرات من شخصيات سياسية وعسكرية وأقتصادية في المنطقة تعكس حجم القلق المُتصاعد من أحتمالات الانزلاق إلى مُواجهة واسعة ، فقد أشار الجنرال المصري المُتقاعد “أحمد وصفي” في قراءة عسكرية لافتة إلى أن ما يجري لا يُمكن فهمه بأعتباره مجرد تصعيد عسكري تقليدي ، بل هو في تقديره نتيجة ترتيبات أستراتيجية طويلة المدى أرتبطت بإعادة تموضع القوات ، وإعادة تأهيل الترسانات العسكرية ، وأختيار توقيتات سياسية حساسة .

وفي سياق متصل ، أثارت تصريحات رجل الأعمال الإماراتي البارز “خلف الحبتور” جدلاً واسعاً بعد أن وجّه أنتقادات حادة للسياسات الأمريكية مُتسائلاً عن الأُسس التي قد تدفع المنطقة إلى مُواجهة مفتوحة مع إيران ، ومُعبراً عن مخاوف من أن تتحول دول الخليج إلى ساحة صراع دولي لا يخدم مصالح شعوبها ، وقد عكست هذه التصريحات أتجاهاً مُتزايداً داخل بعض الأوساط الاقتصادية والسياسية في المنطقة يدعو إلى تجنب الانجرار إلى صراعات كُبرى قد تُهدد الاستقرار الإقليمي .

غير أن قراءة هذه التصريحات لا تكتمل دون وضعها في سياق أوسع يتعلق بالصراع الدولي على النفوذ والاقتصاد ، فمراكز بحثية مثل Council on Foreign Relations و International Institute for Strategic Studies تشير في تقاريرها إلى أن الشرق الأوسط ما يزال يمثل عُقدة أستراتيجية رئيسية في شبكة التجارة والطاقة العالمية ، وأن الممرات البحرية المُمتدة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط تظل من أهم مفاتيح التأثير في الاقتصاد الدولي .

فمضيق هرمز وحده يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية وفق تقديرات International Energy Agency ، في حين تشكل قناة السويس وباب المندب نقاط أختناق أستراتيجية لسلاسل الإمداد العالمية ، ولذلك فإن أي تصعيد عسكري في هذه المناطق لا ينعكس على أمن المنطقة فحسب ، بل يُطال أيضاً الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة .

أنطلاقاً من هذه المعطيات ، يُمكن قراءة التطورات الحالية عبر مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي يتداولها خبراء العلاقات الدولية .

السيناريو الأول : يتمثل في أستمرار التصعيد العسكري المحدود دون الانزلاق إلى حرب شاملة ، ويعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً لدى كثير من المُحللين ، إذ تسعى القوى الكُبرى عادة إلى أستخدام الضغط العسكري كوسيلة تفاوض دون الوصول إلى مُواجهة واسعة قد تخرج عن السيطرة ، وفي هذا الإطار يُمكن أن تستمر الضربات المحدودة ، وحرب الرسائل العسكرية المُتبادلة بهدف إعادة رسم خطوط الردع ، وإعادة التفاوض على ترتيبات أمنية جديدة في الخليج .

أما السيناريو الثاني : فيتعلق بأحتمال توسع المواجهة إلى حرب إقليمية محدودة تشمل أطرافاً إضافية في المنطقة ، ففي حال حدوث خطأ أستراتيجي أو تصعيد غير محسوب ، قد تتحول المواجهة إلى صراع أوسع يمتد إلى الممرات البحرية أو الجبهات غير المُباشرة ، وهذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد العالمي ، إذ تشير تقديرات World Bank إلى أن أي أضطراب واسع في ممرات الطاقة في الخليج قد يؤدي إلى صدمات في الأسواق العالمية وأرتفاع كبير في أسعار النفط والشحن البحري .

السيناريو الثالث : وهو الأكثر عمقاً وتأثيراً على المدى البعيد ، يتمثل في أن تكون هذه الأزمة جزءاً من عملية إعادة تشكيل للنظام الإقليمي في ظل التحول نحو عالم مُتعدد الأقطاب ، فالتنافس المُتصاعد بين الولايات المتحدة والصين ، إضافة إلى عودة روسيا كلاعب دولي مُؤثر ، يدفع القوى الكُبرى إلى إعادة ترتيب مواقعها في مناطق النفوذ التقليدية ، ومن هذا المنظور قد تتحول أزمات الشرق الأوسط إلى أدوات في صراع دولي أوسع حول طرق التجارة والطاقة والتكنولوجيا .

وفي هذا السياق ، لا يمكن تجاهل التحولات التي تشهدها بعض القوى الإقليمية الكبرى مثل تركيا ومصر والسعودية ، والتي تحاول جميعها إعادة صياغة دورها في النظام الإقليمي الجديد . فتركيا تُسيطر على مضيقي “البوسفور والدردنيل” ، بينما تمثل مصر بوابة “قناة السويس” ، في حين تمتلك دول الخليج موقعاً مركزياً في سوق الطاقة العالمي ، وكل هذه العوامل تجعل المنطقة مركزاً دائماً للتنافس الجيوسياسي .

أما بالنسبة للعراق ، فإن موقعه الجغرافي والسياسي يضعه في قلب هذه المُعادلة المُعقدة ، فالعراق يُشكل حلقة وصل بين الخليج وإيران وتركيا وسوريا ، كما أنه يمتلك أحد أكبر أحتياطيات الطاقة في العالم ، ولذلك فإن أي تحول في ميزان القوى الإقليمي سيترك أثره المباشر على أستقراره السياسي والاقتصادي ، ومن هنا تبدو الحاجة مُلحة أمام صُناع القرار في بغداد إلى قراءة التطورات الدولية بعين أستراتيجية بعيدة عن الانفعالات السياسية أو الاصطفافات الآنية ، فالتجارب التاريخية تثبت أن الدول التي تنجح في عبور التحولات الكبرى هي تلك التي تعتمد سياسة توازن دقيقة تحمي سيادتها ، وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحة صراع بالوكالة .

ختاماً .. إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مُفترق طرق تاريخي قد يقود إلى مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ والتحالفات ، وبين سيناريو التصعيد المحدود ، وأحتمال المُواجهة الإقليمية ، وأحتمالات التحول نحو نظام دولي مُتعدد الأقطاب ، تبقى الحكمة السياسية والقدرة على قراءة التحولات بعُمق هي العامل الحاسم في تحديد مصير الدول .

ولهذا فإن الرسالة الأهم للقيادات السياسية في المنطقة ولا سيما في العراق تتمثل في ضرورة بناء رؤية وطنية مُتماسكة تقوم على حماية المصالح العليا للدولة وتجنب الانجرار إلى صراعات الآخرين ، فالعالم يتغير بسرعة ، والدول التي لا تمتلك بوصلة أستراتيجية واضحة قد تجد نفسها فُجأة خارج مُعادلة التأثير في المُستقبل …!